في قصة (سيمفونية الرماد) .. للقاص / محمد
رشيد
البنية السردية والدلالات الحسية ..
أياد النصيري-2018
************************************
قصة( سيمفونية الرماد ) للقاص العراقي (محمد رشيد)عمل فني تجريبي يسهم في الانتقال من كتابة اللقطة والحالة والصورة الخاطفةإلى استكشاف الكلية المركبة والإشكالية المشخصة للعلاقات النثرية العميقة بين الذات والمجتمع والوجود.-بين الحب والحرب ومابينهما الموت-والبقاء-والأنبعاث من جديد وفيها نلمس مامدى عمق السرد للحدث وذلك من خلال تشييد عالم حكائي متميز في نمط خطابه وصيغة تلفظه وطبيعة ارتباطاته بالمتخيل الاجتماعي والرؤية الروحية واحلامه وانتظار حبيبته وهو يسافر اليها قاطعا كل تلك المسافة التي لم يحددها القاص في متن القصةعبر طريق طويل تطوي عجلات المركبة تلك المسافة مندهشا حالما بلقاء تلك الحبيبة التي ودعت الدنيا بلا رؤية تحقيق حلم اللقاء والانبعاث من جديد
ومن هنا نجد ان القاص ((محمد رشيد)) وظف الأبجدية في فضاء افتراضي متاهاته تتشعب إلى حد السأم وتتجمع تمركزا إلى حد الكثافة المرعبة تحاول أن تكتنه المخفي وتفضح المسكوت عنه وهنا لا غرابة أن يشعر المتلقي بالمكابدة التي عانى منها القاص وهو يكتب عن ا حلامه وتطلعاته وهواجسه باحثا عن الدلالات الحسية للواقع الغائر في البعد الأثيري للعمر حتى لم تعد منه إلا مجرد ذكرى باهتة تداعب الخيال وتشغل البال
.((.الطريق الطويل يغرز في دواخلي الســأم لأنه لا يزال يجهل فن التغزل بخضرة الطبيعة ليدنيها منه لكن لابد من التوجه إليها ..لتنعش ذاكرتي …لتخلع ما تبقى من ثيابي التي نسجت برائحة البارود والمثقبة بمخالب الحرب ..لأغتسل بدموعها ..لأغفو فوق تلَييها الحنونين …لتغطيني بشلالات شعرها الذي يمطر علي أزهارا أثمل بأريجها وفراشات أتدفأ بألوان أجنحتها ..لتعزف على ما تبقى من أوتار قلبي بأناملها))
الإنسان في بدء تشكّل وعيه وجد نفسه في مواجهة الموت ذلك الحدث الرهيب الخارج عن الوعي والإرادة كي يتغلّب على مشاعر الحزن التي تعذّبه وهو يقف عاجزاً عند فقده من يحب غير مصدّقٍ أنّ هذا الغياب سيكون أبدياً.
إذا كان الإنسان خلال مسيرة وعيه الطويلة قد استوعب فكرة الموت الحتمية أو تأقلم معها على الأقلّ فإنّه يقف عاجزاً من جديد أمام فظاعة القتل والموت الذي يحصد الجميع دون تمييز بهذه البشاعة والكثرة التي لم يعد العقل يستوعبها ولم يعد إيمانه يكفيه لبثّ الطمأنينة النسبية في وجدانه مشاهد ارتطام الطير في واجهة السيارة-الدماء المتناثرة على السيارة- الأجزاءالمتناثرة لجسد الطير الريش الملون المتطاير كلها اوحت للراوي مشاهد الحرب التي خاضها حيث لازالت رائحة البارود عالقة في انفاسه
((دوى ارتطام في الشاشة من الخارج حيث كان الصوت غير عادي بالمرة لم تحتضنه أذني بقدر ما طعن قلبي الذي بدأ ينكمش تدريجيا ، وقتها اغتسلت الشاشة بالقاني من الدماء وتقدد لحم ذلك الطائر المسكين بحافات تصدع الشاشة وبات المشهد موضع تفرس من قبل الجميع))
فالإنسان لا يرقى بالجلوس والتأمل والحلم وحده فالتأمل والحلم أجزاء من منظومة السعي نحو القمة تقودهما الحركة الدؤوبة تحريك الاتجاهات واستكناه الرؤى الانتقال وحده يخلق أجواءً جديدة ويوفر أبعاداً أخرى غير تلك التي نألفها عند الجلوس والجمود. الحركة هي التي تكشف الجوهر الحقيقي لمعدن الأشياء
يبلغ الحوار هنا طاقات الكشف إذ يلقي الضوء على الانسان في لحظة ضعفه وفي لحظة قوته حوار كاشف عذب للراوي وهو يتأمل ويسرد مع ذاته كل تلك المشاهد والاحلام والذكريات أمام الموت لتكشف اللحظة الفاصلة معدن الرجال .
ورغم ما يتسم به الضعف البشري من حرص وتهالك على الحياة فقد استطاع القاص أن يقف بنا أمام هذا الضعف الانساني لنجده في بعض الأحيان ضرورة إنسانية لا تملك أمامها سوى التعاطف أو الرثاء
((مشهد اختفاء ريش ذلك الطائر بدأ يعاودني حتى التفت إلى عنقي دوائر الغثيان وراحت تضيق أكثر ..فأكثر إلى ان شاهدت الريش يتطاير من حولي ولم أر سوى أشياء مجهولة لم أشاهدها من قبل ,أشكالا مفزعة حينها بدأت تتسلل لسمعي أصوات ارتطام ذلك الطائر وبدأت تعلو وتعلو إلى أن وضعت كفيّ على أذنيّ وضغطتهما بشدة وبدأت بالصراخ))
(محمد رشيد)اكثر في الوصف السردي وطرح مضمون قصته ويطرحها بصور فلاشية ومقاطع متتالية مجرد رؤية .
هذا الشكل القصصي هو الذي انتهجه الكاتب في قصته ((سيمفونية الرماد)) وأزعم أنها تميل إلى هذا التقطيع وهذا الشكل وهو شكل جيد لا يجعلك تلهث وراء الأحداث ويكمنك التوقف في أي وقت لتكمل متى تشاء دون عناء .
ولعل هذا مادفع القاص (محمد رشيد) لكتابة القصة القصيرة من حيث اسلوبها يقترب اكثر في ذهن المتلقي وتبسيط لغتها والتي لاتحتمل الوصف والشرح والدخول في متاهة قبل طرح الحدث بل هي كالقنبلة تفجر الحدث من الوهلة الأولى وتتابعه بصور متلاحقة تحصاره بلغة مكثفة وسرد موجز .
وقد نجح (القاص محمد رشيد) في طرح شكلها القصصي بشكل جيد
((الطريق أصبح أطول مما وصفوه لي لكن لابد من التوجه إليها , إنها ما تبقى لي من هذا العالم ..أكيد إنها في انتظاري من زمن بعيد ,الشيء الوحيد الذي احلم به هو لقائي به))
القصة تنطوي على ذاكرة أكثر من قرائية عندما يتعلق الأمر بترميز الزمن الشعوري للكتابة إذ يتحرك بندول السرد بين أقسى أشكال العنف الدائر في المكان وأرق مشاعر الحب بين البشركرسالة - شهادة سردية مشوقة ترسم تجربة شخصيات عانوا أهوال الحرب على قسوتها لكنها لم تسلب منهم عواطفهم الشخصية وأحلامهم وطموحاتهم الصغيرة في أن يشبهوا غيرهم من البشر: عشاق ممنوعون من العشق احلام وتوق للقاء وانتظارات وهمس روحي بفعل فاعل الحرب
.أما علي مستوي التوظيف الفني لوحدة الزمان في القصة فإن ثمة نمطين يمكن للقارئ تلمسهما الأول ويندرج ضمن التوظيف التقليدي للزمن إذ تسير أحداث القصة فيه في شكل تصاعد خطي بدءا وانتهاء متابعة بذلك الترتيب المنطقي لها من الماضي إلي الحاضر
القاص هنا إذ يؤسطر العالم القصصي برمزيات أسطورية يعدد أمامنا النوافذ فبعد أن أغلق الشخصية نافذة الموضوعي أشرع نافذة الذاتي أو الوجود بالقوة ووضعنا امام احتمال أن تشرع نافذة الاحتمالي أو الوجود بالفعل باعتباره وجود الانبعاث والتجدد.
أما التوظيف الثاني للزمن فيمثله الحضور غير المنتظم وغير التقليدي لترتيب الأحداث وفي هذا الأخير يمكن للقصة أن تبدأ بالزمن الحاضر ثم ترتد إلي الماضي لتعود إلي الحاضر مجددا في شكل تداخل زمني للأحداث أو مناوبة لمعطياتها الزمنية.
وإذا كان الحس المأساوي والنغمة السوداوية هما اللذان يميزان العالم السردي في احداث القصة من جهة وهيمنة تكنيك القصة فإن ملمح تكثيف البنية السردية تكثيفا ملحوظا يبدو واضحا هو الآخر
((كل اللذين احتشدوا حولهما اندهشوا عندما شاهدوا طائرا بلون الشمس ولامع كالذهب خصوصاً عند الرقبة وباقي جسمه أرجواني وذيله لازوردي تشوبه ريشات بلون القرنفل ، يزين رأسه عرف رائع تنتصب عليه قنزعة وريش طويل يضوع بشذا البنفسج أنبعث من مكان النبض لذلك الغريب وراح يحلق عاليا يتبع ذلك الريش والنوتات بخطوات راقصة إلى فضاء لا منتهي)
ولاريب أن لهذاالطائر وريشه المتطاير حمولة رمزية ثرية بالمعاني فهو يحيلنا إلى أسطورة طائرالفينيق المقدس الذي انتفض فيه وخرج من حريقه محلقا ولاريب أن الرماد وقد انبعثت فيه الحياة من جديد والواقع أن القاص لا يومئ إلى استيحائه هذه
الأسطورة باستحضاره الرماد فقط، بل يومئ إليها إيماءة قوية جدا إذ عنون نصه بموقد الدال على الاحتراق الأسطوري وبالتالي الانبعاث الجديد والخلود لسيمفونية الرماد -لهذا فالشخصية المستحضرة فيه هي معادل رمزي لطائر الفينيق لذا فهو إذ أغلق نافذة العالم الموضوعي وفتح نافذة العالم الذاتي موقعت ذاتها في موقع بين بين أي في منطقة تقع بين الموت والحياة وانبعاثها من جديد
والواقع أن ((القاص محمد رشيد)) الذي آل على نفسه أن يسهم في المشروع الحداثي القصصي وأن يعمل على ترسيخ سننه الإبداعية التي أتت استجابة لروح العصر أمكنه أن يكتب عصارة جهد إبداعي سيستثير أمام النقاد قضايا إبداعية عدة ستجلو جنسا حديثا له طواعية استجلاء المشروع التاريخي بموازاة المشروع الأدبي
أياد النصيري-2018
************************************
قصة( سيمفونية الرماد ) للقاص العراقي (محمد رشيد)عمل فني تجريبي يسهم في الانتقال من كتابة اللقطة والحالة والصورة الخاطفةإلى استكشاف الكلية المركبة والإشكالية المشخصة للعلاقات النثرية العميقة بين الذات والمجتمع والوجود.-بين الحب والحرب ومابينهما الموت-والبقاء-والأنبعاث من جديد وفيها نلمس مامدى عمق السرد للحدث وذلك من خلال تشييد عالم حكائي متميز في نمط خطابه وصيغة تلفظه وطبيعة ارتباطاته بالمتخيل الاجتماعي والرؤية الروحية واحلامه وانتظار حبيبته وهو يسافر اليها قاطعا كل تلك المسافة التي لم يحددها القاص في متن القصةعبر طريق طويل تطوي عجلات المركبة تلك المسافة مندهشا حالما بلقاء تلك الحبيبة التي ودعت الدنيا بلا رؤية تحقيق حلم اللقاء والانبعاث من جديد
ومن هنا نجد ان القاص ((محمد رشيد)) وظف الأبجدية في فضاء افتراضي متاهاته تتشعب إلى حد السأم وتتجمع تمركزا إلى حد الكثافة المرعبة تحاول أن تكتنه المخفي وتفضح المسكوت عنه وهنا لا غرابة أن يشعر المتلقي بالمكابدة التي عانى منها القاص وهو يكتب عن ا حلامه وتطلعاته وهواجسه باحثا عن الدلالات الحسية للواقع الغائر في البعد الأثيري للعمر حتى لم تعد منه إلا مجرد ذكرى باهتة تداعب الخيال وتشغل البال
.((.الطريق الطويل يغرز في دواخلي الســأم لأنه لا يزال يجهل فن التغزل بخضرة الطبيعة ليدنيها منه لكن لابد من التوجه إليها ..لتنعش ذاكرتي …لتخلع ما تبقى من ثيابي التي نسجت برائحة البارود والمثقبة بمخالب الحرب ..لأغتسل بدموعها ..لأغفو فوق تلَييها الحنونين …لتغطيني بشلالات شعرها الذي يمطر علي أزهارا أثمل بأريجها وفراشات أتدفأ بألوان أجنحتها ..لتعزف على ما تبقى من أوتار قلبي بأناملها))
الإنسان في بدء تشكّل وعيه وجد نفسه في مواجهة الموت ذلك الحدث الرهيب الخارج عن الوعي والإرادة كي يتغلّب على مشاعر الحزن التي تعذّبه وهو يقف عاجزاً عند فقده من يحب غير مصدّقٍ أنّ هذا الغياب سيكون أبدياً.
إذا كان الإنسان خلال مسيرة وعيه الطويلة قد استوعب فكرة الموت الحتمية أو تأقلم معها على الأقلّ فإنّه يقف عاجزاً من جديد أمام فظاعة القتل والموت الذي يحصد الجميع دون تمييز بهذه البشاعة والكثرة التي لم يعد العقل يستوعبها ولم يعد إيمانه يكفيه لبثّ الطمأنينة النسبية في وجدانه مشاهد ارتطام الطير في واجهة السيارة-الدماء المتناثرة على السيارة- الأجزاءالمتناثرة لجسد الطير الريش الملون المتطاير كلها اوحت للراوي مشاهد الحرب التي خاضها حيث لازالت رائحة البارود عالقة في انفاسه
((دوى ارتطام في الشاشة من الخارج حيث كان الصوت غير عادي بالمرة لم تحتضنه أذني بقدر ما طعن قلبي الذي بدأ ينكمش تدريجيا ، وقتها اغتسلت الشاشة بالقاني من الدماء وتقدد لحم ذلك الطائر المسكين بحافات تصدع الشاشة وبات المشهد موضع تفرس من قبل الجميع))
فالإنسان لا يرقى بالجلوس والتأمل والحلم وحده فالتأمل والحلم أجزاء من منظومة السعي نحو القمة تقودهما الحركة الدؤوبة تحريك الاتجاهات واستكناه الرؤى الانتقال وحده يخلق أجواءً جديدة ويوفر أبعاداً أخرى غير تلك التي نألفها عند الجلوس والجمود. الحركة هي التي تكشف الجوهر الحقيقي لمعدن الأشياء
يبلغ الحوار هنا طاقات الكشف إذ يلقي الضوء على الانسان في لحظة ضعفه وفي لحظة قوته حوار كاشف عذب للراوي وهو يتأمل ويسرد مع ذاته كل تلك المشاهد والاحلام والذكريات أمام الموت لتكشف اللحظة الفاصلة معدن الرجال .
ورغم ما يتسم به الضعف البشري من حرص وتهالك على الحياة فقد استطاع القاص أن يقف بنا أمام هذا الضعف الانساني لنجده في بعض الأحيان ضرورة إنسانية لا تملك أمامها سوى التعاطف أو الرثاء
((مشهد اختفاء ريش ذلك الطائر بدأ يعاودني حتى التفت إلى عنقي دوائر الغثيان وراحت تضيق أكثر ..فأكثر إلى ان شاهدت الريش يتطاير من حولي ولم أر سوى أشياء مجهولة لم أشاهدها من قبل ,أشكالا مفزعة حينها بدأت تتسلل لسمعي أصوات ارتطام ذلك الطائر وبدأت تعلو وتعلو إلى أن وضعت كفيّ على أذنيّ وضغطتهما بشدة وبدأت بالصراخ))
(محمد رشيد)اكثر في الوصف السردي وطرح مضمون قصته ويطرحها بصور فلاشية ومقاطع متتالية مجرد رؤية .
هذا الشكل القصصي هو الذي انتهجه الكاتب في قصته ((سيمفونية الرماد)) وأزعم أنها تميل إلى هذا التقطيع وهذا الشكل وهو شكل جيد لا يجعلك تلهث وراء الأحداث ويكمنك التوقف في أي وقت لتكمل متى تشاء دون عناء .
ولعل هذا مادفع القاص (محمد رشيد) لكتابة القصة القصيرة من حيث اسلوبها يقترب اكثر في ذهن المتلقي وتبسيط لغتها والتي لاتحتمل الوصف والشرح والدخول في متاهة قبل طرح الحدث بل هي كالقنبلة تفجر الحدث من الوهلة الأولى وتتابعه بصور متلاحقة تحصاره بلغة مكثفة وسرد موجز .
وقد نجح (القاص محمد رشيد) في طرح شكلها القصصي بشكل جيد
((الطريق أصبح أطول مما وصفوه لي لكن لابد من التوجه إليها , إنها ما تبقى لي من هذا العالم ..أكيد إنها في انتظاري من زمن بعيد ,الشيء الوحيد الذي احلم به هو لقائي به))
القصة تنطوي على ذاكرة أكثر من قرائية عندما يتعلق الأمر بترميز الزمن الشعوري للكتابة إذ يتحرك بندول السرد بين أقسى أشكال العنف الدائر في المكان وأرق مشاعر الحب بين البشركرسالة - شهادة سردية مشوقة ترسم تجربة شخصيات عانوا أهوال الحرب على قسوتها لكنها لم تسلب منهم عواطفهم الشخصية وأحلامهم وطموحاتهم الصغيرة في أن يشبهوا غيرهم من البشر: عشاق ممنوعون من العشق احلام وتوق للقاء وانتظارات وهمس روحي بفعل فاعل الحرب
.أما علي مستوي التوظيف الفني لوحدة الزمان في القصة فإن ثمة نمطين يمكن للقارئ تلمسهما الأول ويندرج ضمن التوظيف التقليدي للزمن إذ تسير أحداث القصة فيه في شكل تصاعد خطي بدءا وانتهاء متابعة بذلك الترتيب المنطقي لها من الماضي إلي الحاضر
القاص هنا إذ يؤسطر العالم القصصي برمزيات أسطورية يعدد أمامنا النوافذ فبعد أن أغلق الشخصية نافذة الموضوعي أشرع نافذة الذاتي أو الوجود بالقوة ووضعنا امام احتمال أن تشرع نافذة الاحتمالي أو الوجود بالفعل باعتباره وجود الانبعاث والتجدد.
أما التوظيف الثاني للزمن فيمثله الحضور غير المنتظم وغير التقليدي لترتيب الأحداث وفي هذا الأخير يمكن للقصة أن تبدأ بالزمن الحاضر ثم ترتد إلي الماضي لتعود إلي الحاضر مجددا في شكل تداخل زمني للأحداث أو مناوبة لمعطياتها الزمنية.
وإذا كان الحس المأساوي والنغمة السوداوية هما اللذان يميزان العالم السردي في احداث القصة من جهة وهيمنة تكنيك القصة فإن ملمح تكثيف البنية السردية تكثيفا ملحوظا يبدو واضحا هو الآخر
((كل اللذين احتشدوا حولهما اندهشوا عندما شاهدوا طائرا بلون الشمس ولامع كالذهب خصوصاً عند الرقبة وباقي جسمه أرجواني وذيله لازوردي تشوبه ريشات بلون القرنفل ، يزين رأسه عرف رائع تنتصب عليه قنزعة وريش طويل يضوع بشذا البنفسج أنبعث من مكان النبض لذلك الغريب وراح يحلق عاليا يتبع ذلك الريش والنوتات بخطوات راقصة إلى فضاء لا منتهي)
ولاريب أن لهذاالطائر وريشه المتطاير حمولة رمزية ثرية بالمعاني فهو يحيلنا إلى أسطورة طائرالفينيق المقدس الذي انتفض فيه وخرج من حريقه محلقا ولاريب أن الرماد وقد انبعثت فيه الحياة من جديد والواقع أن القاص لا يومئ إلى استيحائه هذه
الأسطورة باستحضاره الرماد فقط، بل يومئ إليها إيماءة قوية جدا إذ عنون نصه بموقد الدال على الاحتراق الأسطوري وبالتالي الانبعاث الجديد والخلود لسيمفونية الرماد -لهذا فالشخصية المستحضرة فيه هي معادل رمزي لطائر الفينيق لذا فهو إذ أغلق نافذة العالم الموضوعي وفتح نافذة العالم الذاتي موقعت ذاتها في موقع بين بين أي في منطقة تقع بين الموت والحياة وانبعاثها من جديد
والواقع أن ((القاص محمد رشيد)) الذي آل على نفسه أن يسهم في المشروع الحداثي القصصي وأن يعمل على ترسيخ سننه الإبداعية التي أتت استجابة لروح العصر أمكنه أن يكتب عصارة جهد إبداعي سيستثير أمام النقاد قضايا إبداعية عدة ستجلو جنسا حديثا له طواعية استجلاء المشروع التاريخي بموازاة المشروع الأدبي
------------------------
قصة قصيرة سيمفونية الرماد
* محمد رشيد
نادرا ما أقتنص ( لحظات حُلمي ) وأمتطيها صوب الواقع لأعيشها , لكن مأساتي هي أن مخالبُ الحرب غالبا ما تطال هذه ( اللحظات ) وتُقبلُ ( من أُحب ) بعنف لأصحو بعدها متوجاً بانكساراتي .
كانت فكرة التوجه إلى تلك المدينة تنمو في دواخلي منذ أعوام لكن الضوء الأحمر لا يزال متمترسا ... ناشرا عباءاته على كل الفصول , المركبات يقلقني خصامها الأزلي مع التكنولوجيا ....الطريق الطويل يغرز في دواخلي الســأم لأنه لا يزال يجهل فن التغزل بخضرة الطبيعة ليدنيها منه لكن لابد من التوجه إليها ..لتنعش ذاكرتي …لتخلع ما تبقى من ثيابي التي نسجت برائحة البارود والمثقبة بمخالب الحرب ..لأغتسل بدموعها ..لأغفو فوق تلَييها الحنونين …لتغطيني بشلالات شعرها الذي يمطر علي أزهارا أثمل بأريجها وفراشات أتدفأ بألوان أجنحتها ..لتعزف على ما تبقى من أوتار قلبي بأناملها ( قلوب النخيل *) سيمفونياتها الكونية التي تذوبني في طقوس خاصة تفر منها الكلمات خجلى لأنها لم تستطع ان تصفها .المركبة راحت تلتهم إسفلت الشارع بأقدامها الدائرية وما أن يلتصق نظري على زجاجة المركبة الأمامية حتى تتحول إلى شاشة تعرض لي ذكريات قديمة …وتنبؤات مستقبلية غالبا ما توقعني في مطبات حالما أوشي بها لغيري .أقدام المركبة مازالت تدور وتدور وأنا في اندماج روحي متصاعد وإنشداد ميكانيكي مع مسند الكرسي وتلك الأحداث التي تصدره لي تلك الشاشة من أيام طفولتي ….إلى آخر الانكسارات المخبئة لي . الأقدام الدائرية ظلت تدور وتدور حتى دوى ارتطام في الشاشة من الخارج حيث كان الصوت غير عادي بالمرة لم تحتضنه أذني بقدر ما طعن قلبي الذي بدأ ينكمش تدريجيا ، وقتها اغتسلت الشاشة بالقاني من الدماء وتقدد لحم ذلك الطائر المسكين بحافات تصدع الشاشة وبات المشهد موضع تفرس من قبل الجميع ,توقف السائق عن القيادة وراح يتمتم و يتململ وراح يحضر دلوا من الماء ليزيح ما تبقى من ذلك الطائر ,لحظتها راودني فضول لمعرفة جنس ذلك الطائر ,بحثت عن ريشه فلم أجده ,نقبت عنه مجددا في كل مكان فلم اعثر على أي شيء منه مما اضطر عددا من المسافرين لمناداتي بأصوات شابها التوتر والانزعاج لأنني على ما يبدو أضفت لرصيدهم تأخيرا آخر ,هذا الشيء أقلقني جدا وكأن اختفاء الريش كان أمرا مقصودا !! صعدت المركبة وبدأت تبتلعني دوائر القلق وتحضنني في مداراتها المغناطيسية ,الأسئلة هي الأخرى راحت تتسابق وتطرق في رأسي كالنواقيس وعلى الرغم من تنظيف السائق مكان الاصطدام بقيت أشاهد الشاشة مصطبغة بذلك اللون القرمزي اذ راح يرسم لي أشكالا مفزعة ومتعددة ,مرة يظهر على شكل كف يناديني بسبابته ويختفي ، ومرة في شكل حافة بئر تدور حول نفسها وتبتلع كل ما حولها ,هذه المرة بهيئة ربطة عنق من القنب متدلية من الأعلى تظهر من خلال دائرة انشوطتها أشباح مخيفة تناديني ...مرة أخرى مشهد اختفاء ريش ذلك الطائر بدأ يعاودني حتى التفت إلى عنقي دوائر الغثيان وراحت تضيق أكثر ..فأكثر إلى ان شاهدت الريش يتطاير من حولي ولم أر سوى أشياء مجهولة لم أشاهدها من قبل ,أشكالا مفزعة حينها بدأت تتسلل لسمعي أصوات ارتطام ذلك الطائر وبدأت تعلو وتعلو إلى أن وضعت كفيّ على أذنيّ وضغطتهما بشدة وبدأت بالصراخ مما انتبه الجميع من حولي وراحت أسئلتهم تنهال علي كالمعاول , الطريق أصبح أطول مما وصفوه لي لكن لابد من التوجه إليها , إنها ما تبقى لي من هذا العالم ..أكيد إنها في انتظاري من زمن بعيد ,الشيء الوحيد الذي احلم به هو لقائي بها ,عناقي لها وحده في هذا الكون سيعيد لي ما قضمته مني تلك السنون .. وحدها من تجيد العزف على قيثارتي التي ثقبتها تلك الرصاصات البلهاء ,أتذكر دائما (عدونا ورقصاتنا تحت المطر , خصاماتنا كانت بعمر الشموع التي غالبا ما تنتهي بزرع قبلة بين عينيها لتثمر عناقات مطولة خلسة خلف الأبواب مؤجلا قطاف كمثرتيها لمواسم قادمة , النهير الجميل الذي ابتلع سفننا الورقية ) تلاشت هذه المشاهد حالما توقفت أقدام المركبة ,لامست قدمي حافة الرصيف متوجها إلى ذلك المكان تحسست حينها بثقل وتباطؤ في خطواتي وكأن خدرا قد دب بهما ,مضيت مسرعا لأغتال بعض الوقت ,تحسست يمناي مكان النبض وكأن دبوسا انغرس فيه وكلما أسرعت في خطواتي بافتراس الطريق كانت تعاودني تلك المشاهد اللعينة ,وصلت ذلك المكان ,اندهشت حينما شاهدت حشدا من المارة ملتفين من حوله ,اقتربت منه , دنوت أكثر حتى اشرأب عنقي من بين الأكتاف المتلاصقة ,سمعت البعض منهم : (خطية ...مسكينة ..كانت تحبه ..ظلت مخلصة له..كانت تنتظره هنا يوميا وبلا كلل ..) هذه الكلمات راحت تثقبني حينما سمعتها ,شاهدتها مســــجاة فوق الأرض تعلوها قطعة من القماش ملطخة ببقع من الدم , اقتربت أكثر ,جثوت على ركبتي وأزحت من على وجهها تلك القماشــة ببطيء فوجئت بتطاير ذلك الريش (الذي فقده الطائر) إلى السماء يتراقص مع نوتات تلك السيمفونية ( سيمفونية الرماد ) التي كانت تعزفها لي (.....) ارتعدت حينها وتضببت الرؤيا من حولي ولم أحس سوى ظلاما راح يطبق على الأرض ورأسي راح يتوسد ذراع الرصيف .
قصة قصيرة سيمفونية الرماد
* محمد رشيد
نادرا ما أقتنص ( لحظات حُلمي ) وأمتطيها صوب الواقع لأعيشها , لكن مأساتي هي أن مخالبُ الحرب غالبا ما تطال هذه ( اللحظات ) وتُقبلُ ( من أُحب ) بعنف لأصحو بعدها متوجاً بانكساراتي .
كانت فكرة التوجه إلى تلك المدينة تنمو في دواخلي منذ أعوام لكن الضوء الأحمر لا يزال متمترسا ... ناشرا عباءاته على كل الفصول , المركبات يقلقني خصامها الأزلي مع التكنولوجيا ....الطريق الطويل يغرز في دواخلي الســأم لأنه لا يزال يجهل فن التغزل بخضرة الطبيعة ليدنيها منه لكن لابد من التوجه إليها ..لتنعش ذاكرتي …لتخلع ما تبقى من ثيابي التي نسجت برائحة البارود والمثقبة بمخالب الحرب ..لأغتسل بدموعها ..لأغفو فوق تلَييها الحنونين …لتغطيني بشلالات شعرها الذي يمطر علي أزهارا أثمل بأريجها وفراشات أتدفأ بألوان أجنحتها ..لتعزف على ما تبقى من أوتار قلبي بأناملها ( قلوب النخيل *) سيمفونياتها الكونية التي تذوبني في طقوس خاصة تفر منها الكلمات خجلى لأنها لم تستطع ان تصفها .المركبة راحت تلتهم إسفلت الشارع بأقدامها الدائرية وما أن يلتصق نظري على زجاجة المركبة الأمامية حتى تتحول إلى شاشة تعرض لي ذكريات قديمة …وتنبؤات مستقبلية غالبا ما توقعني في مطبات حالما أوشي بها لغيري .أقدام المركبة مازالت تدور وتدور وأنا في اندماج روحي متصاعد وإنشداد ميكانيكي مع مسند الكرسي وتلك الأحداث التي تصدره لي تلك الشاشة من أيام طفولتي ….إلى آخر الانكسارات المخبئة لي . الأقدام الدائرية ظلت تدور وتدور حتى دوى ارتطام في الشاشة من الخارج حيث كان الصوت غير عادي بالمرة لم تحتضنه أذني بقدر ما طعن قلبي الذي بدأ ينكمش تدريجيا ، وقتها اغتسلت الشاشة بالقاني من الدماء وتقدد لحم ذلك الطائر المسكين بحافات تصدع الشاشة وبات المشهد موضع تفرس من قبل الجميع ,توقف السائق عن القيادة وراح يتمتم و يتململ وراح يحضر دلوا من الماء ليزيح ما تبقى من ذلك الطائر ,لحظتها راودني فضول لمعرفة جنس ذلك الطائر ,بحثت عن ريشه فلم أجده ,نقبت عنه مجددا في كل مكان فلم اعثر على أي شيء منه مما اضطر عددا من المسافرين لمناداتي بأصوات شابها التوتر والانزعاج لأنني على ما يبدو أضفت لرصيدهم تأخيرا آخر ,هذا الشيء أقلقني جدا وكأن اختفاء الريش كان أمرا مقصودا !! صعدت المركبة وبدأت تبتلعني دوائر القلق وتحضنني في مداراتها المغناطيسية ,الأسئلة هي الأخرى راحت تتسابق وتطرق في رأسي كالنواقيس وعلى الرغم من تنظيف السائق مكان الاصطدام بقيت أشاهد الشاشة مصطبغة بذلك اللون القرمزي اذ راح يرسم لي أشكالا مفزعة ومتعددة ,مرة يظهر على شكل كف يناديني بسبابته ويختفي ، ومرة في شكل حافة بئر تدور حول نفسها وتبتلع كل ما حولها ,هذه المرة بهيئة ربطة عنق من القنب متدلية من الأعلى تظهر من خلال دائرة انشوطتها أشباح مخيفة تناديني ...مرة أخرى مشهد اختفاء ريش ذلك الطائر بدأ يعاودني حتى التفت إلى عنقي دوائر الغثيان وراحت تضيق أكثر ..فأكثر إلى ان شاهدت الريش يتطاير من حولي ولم أر سوى أشياء مجهولة لم أشاهدها من قبل ,أشكالا مفزعة حينها بدأت تتسلل لسمعي أصوات ارتطام ذلك الطائر وبدأت تعلو وتعلو إلى أن وضعت كفيّ على أذنيّ وضغطتهما بشدة وبدأت بالصراخ مما انتبه الجميع من حولي وراحت أسئلتهم تنهال علي كالمعاول , الطريق أصبح أطول مما وصفوه لي لكن لابد من التوجه إليها , إنها ما تبقى لي من هذا العالم ..أكيد إنها في انتظاري من زمن بعيد ,الشيء الوحيد الذي احلم به هو لقائي بها ,عناقي لها وحده في هذا الكون سيعيد لي ما قضمته مني تلك السنون .. وحدها من تجيد العزف على قيثارتي التي ثقبتها تلك الرصاصات البلهاء ,أتذكر دائما (عدونا ورقصاتنا تحت المطر , خصاماتنا كانت بعمر الشموع التي غالبا ما تنتهي بزرع قبلة بين عينيها لتثمر عناقات مطولة خلسة خلف الأبواب مؤجلا قطاف كمثرتيها لمواسم قادمة , النهير الجميل الذي ابتلع سفننا الورقية ) تلاشت هذه المشاهد حالما توقفت أقدام المركبة ,لامست قدمي حافة الرصيف متوجها إلى ذلك المكان تحسست حينها بثقل وتباطؤ في خطواتي وكأن خدرا قد دب بهما ,مضيت مسرعا لأغتال بعض الوقت ,تحسست يمناي مكان النبض وكأن دبوسا انغرس فيه وكلما أسرعت في خطواتي بافتراس الطريق كانت تعاودني تلك المشاهد اللعينة ,وصلت ذلك المكان ,اندهشت حينما شاهدت حشدا من المارة ملتفين من حوله ,اقتربت منه , دنوت أكثر حتى اشرأب عنقي من بين الأكتاف المتلاصقة ,سمعت البعض منهم : (خطية ...مسكينة ..كانت تحبه ..ظلت مخلصة له..كانت تنتظره هنا يوميا وبلا كلل ..) هذه الكلمات راحت تثقبني حينما سمعتها ,شاهدتها مســــجاة فوق الأرض تعلوها قطعة من القماش ملطخة ببقع من الدم , اقتربت أكثر ,جثوت على ركبتي وأزحت من على وجهها تلك القماشــة ببطيء فوجئت بتطاير ذلك الريش (الذي فقده الطائر) إلى السماء يتراقص مع نوتات تلك السيمفونية ( سيمفونية الرماد ) التي كانت تعزفها لي (.....) ارتعدت حينها وتضببت الرؤيا من حولي ولم أحس سوى ظلاما راح يطبق على الأرض ورأسي راح يتوسد ذراع الرصيف .
/ مشهـد /
• كل اللذين احتشدوا حولهما اندهشوا عندما شاهدوا طائرا بلون الشمس ولامع كالذهب خصوصاً عند الرقبة وباقي جسمه أرجواني وذيله لازوردي تشوبه ريشات بلون القرنفل ، يزين رأسه عرف رائع تنتصب عليه قنزعة وريش طويل يضوع بشذا البنفسج أنبعث من مكان النبض لذلك الغريب وراح يحلق عاليا يتبع ذلك الريش والنوتات بخطوات راقصة إلى فضاء لا منتهي .
• كل اللذين احتشدوا حولهما اندهشوا عندما شاهدوا طائرا بلون الشمس ولامع كالذهب خصوصاً عند الرقبة وباقي جسمه أرجواني وذيله لازوردي تشوبه ريشات بلون القرنفل ، يزين رأسه عرف رائع تنتصب عليه قنزعة وريش طويل يضوع بشذا البنفسج أنبعث من مكان النبض لذلك الغريب وراح يحلق عاليا يتبع ذلك الريش والنوتات بخطوات راقصة إلى فضاء لا منتهي .
هوامش
• * قلوب النخيل ( الجمار ) قلب الجمار الذي يشبه الأصبع لونه أبيض ، وملمسه ناعم ، وطعمه حلو
• محمد رشيد-قاص عراقي صدر له(و.أفي 98)قصص(موت المؤلف)لقطات قصصية(ساعة الصفر)قصص (للنهر مرايا مهشمة) قصص (القصة العراقية في رحاب ميسان)اعداد دراسات
• * قلوب النخيل ( الجمار ) قلب الجمار الذي يشبه الأصبع لونه أبيض ، وملمسه ناعم ، وطعمه حلو
• محمد رشيد-قاص عراقي صدر له(و.أفي 98)قصص(موت المؤلف)لقطات قصصية(ساعة الصفر)قصص (للنهر مرايا مهشمة) قصص (القصة العراقية في رحاب ميسان)اعداد دراسات
