-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

ظاء و ضاد " .. مجتمع استهلاكي مع سبق الإصرار والترصد"

ظاء و ضاد
"مجتمع استهلاكي مع سبق الإصرار والترصد"
أ . نداء مبارك



الخميس بالتحديد، وعند العودة من مدرستي، اتوجه وبخطوات متلهفة تتسارع صوب المكتبة، لاستلم ما اشتركت به اسبوعيا من(مجلتي والمزمار). كنت اقتني السلسلة القصصية المشوقة للكاتبة (اجاثا كريستي) وقصص احسان عبد القدوس ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم والمنفلوطي والعقاد، وارنست همنكواي وتشارلز ديكنز وفيكتور هوجو وكثيرون..كنت ادفع ثمن ما اشتري من صندوق توفير يومياتنا للتخفيف عن كاهل ذوينا، وقد استعير ما اقرأ من صديقتي، فاقرأ مااكملته هي وتقرأ ما اكملتهْ انا، كنا نحرص على تنويع مطالعاتنا، فنقرأ في التاريخ والاجتماع وعلم النفس والاديان (بكافة مذاهبها) كما كانت تستهويني كتب وكتيبات والدي القديمة باوراقها السمراء والتي تكاد تتفتت بين اصابعي لقِدم اصدارها.
كنا (ناكل) فنحرق ما تناولناه من طعام في الرياضة والمطالعة والمثابرة والجد والاجتهاد لتسنم المراكز الاولى في مدارسنا من دون ادنى مساعدة، فكانت ممارساتنا تصب في تزيين العقل وتقوية الجسم، كنا نتخمهما بما ينفعهما لنكون افرادا فاعلين في بلداننا وبُناة حقيقيين لمستقبل اولادنا.
اما اليوم ونحن نعيش مجتمعا استهلاكياً بامتياز، نجد ان خدمة توصيل مجلتي والمزمار صارت توصيل وجبات الطعام من ماركات المطاعم، وخدمة توصيل اخر صيحات للملابس، تستهوينا متعة التسوق وارتياد المطاعم والمولات والاسواق! صارت جُل غايتنا هي تغيير خارطة وجوهنا واجسامنا بعملياتٍ للتجميل من نفخ وتصغير وتكبير، واقتناء العدسات والرموش ومستحضرات الشد والتبييض، تحولنا الى مجتمعٍ استهلاكيٍ من الطراز الاول، وصار الفقير اكثر شعورا بالالم وهو يقارن بين ما يعجز عن توفيره من ضروريات الحياة الى مايبذخه الغني من كمالياتها...
وما لظاهرة انتشار انصاف المتعلمين واشباه المثقفين من تاثير، فمن السهل ايقاع هؤلاء في فخ الإعلانات الدعائية والتي تُنعش نزعة الاستهلاك لدبهم وتوقع بهم في فخ البضائع الغير مجدية من ماكل ومشرب، وملبس لايواكب اعرافنا وتوجهاتنا، فتكون قد حولت اجسامهم إلى مظاهر قد تكون جميلة ولكن بدواخل مريضة عقلياً وجسدياً، كما نجد الأغلبية يتسابق في اقتناء الاثاث وتبديله كل عام ليواكب الموضةْ باعتبار ان ذلك سمة من سمات التفوق بين اقرانهم، ودليلاً على سمو مركزهم الاجتماعي .
وبسبب انتشار هذه الظاهرة نجد ان الذين هم تحت خط الفقر يشعرون بمرارة اكثر، فاذا كان الفقير قد تحمل ما اعتاد عليه من النزر القليل من الحياة العادية من ماكل وملبس، نجده اليوم يعاني من عدم امكانيته توفير مستجدات الحياة انفة الذكر، وقد تكون اهمها توفير مبلغ للدروس الخصوصية مثلا، فتجده ورغم اجتهاده يحصل على معدلات ادنى بقليل من اقرانه الذين يُخصص لهم مدرسين خصوصيين، وبالتالي لا طاقة له على منافستهم في دخول الكليات (المرموقة) التي تؤهله للتعيين المضمون، او الكليات الاهلية التي يدخلها هؤلاء الاغنياء وبمعدلات ادنى!
ولو القينا نظرة ومن زاوية اخرى نجد ان مجتمعاتنا الاستهلاكية تخلو محالها التجارية من الماركات المحلية(صنع في العراق) مثلا، وتجميد كافة شركات القطاع الحكومي والمختلط، وضخ السوق بالبضائع المتدنية من الالبسة والاطعمة والادوية والمشروبات القاتلة والتي لا تخضع للرقابة النوعية، ناهيك عن الالكترونيات وتحديثاتها المتكررة، ولهفة شبابنا على التحديث المستمر ليواكب اقرانه، مما يزيد المشهد اكثر خطورة .
كوستي بندلي(خبير التوعية النفسية والتربوية) يقول: ان المجتمع الاستهلاكي يفرز العزلة والفراغ ويحكم على حياة الانسان بالعبثية والتفاهة، فاذا بالمرء فقير وسط خيراته المتراكمة، جائع وسط تخمته، يستحوذ عليه السأم رغم تنوع الملاهي، يفتك به القلق، رغم كل الضمانات!!
وللختام مسك:
ليتنا كنا من الشعوب متوسطي الدخل والتي تخلو من الفقر والعوز، او اننا لا نعاني من ضعف وتدني بالاداء الحكومي، فنكون قد تحولنا الى مرحلة المجتمعات الاستهلاكية تلقائياُ؛ ولكننا تحولنا إلى استهلاكيين بسبب اصحاب رؤوس الاموال وفتح الحدود على مصراعيها، واستيراد الحابل والنابل من البضائع من قبل شركات الاستيراد، والتي تعود معظمها الى كبار الشخصيات في الحكومة، والاخيرة تتعامل مع دول جعلت منا سوقاً لتصريف منتجاتها، مقابل مصالحهم الدنيئة، بمعنى اننا تحولنا الى مجتمع استهلاكي مع سبق الاصرار والترصد.

العراق/ بابل

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية