الباعث
من البعد الفكري إلى التكوين
الشعري تواصليا في (عيون تعزف الوجد ) للشاعرة خيرة
مباركي
أ.د.صباح
عباس عنوز
جامعة الكوفة / العراق
يبقى الشعر المتسم بالصدق صوت الوجدان وبوحه, تُثمر سياقاته دلالاتِ منفلتةً من قبضة الصمت عند الشعراء رغما
عنهم,فيكون قول الشعر أمراً مقصوداً في هذه الحال, وتأتي عناصر البناء الفني لتكملَ
النسج المقصود من المتكلم على وفق بناء لغوي مقصود أيضا, فاللغة نتاج الصواغات
التركيبية المقصودة التي يراعي المتكلم فيها تواصليةً مع الآخر,وهنا تتعدد مسارب
التعبير وطرائق التواصل تحقيقا للوظيفة الإفهامية عما يعتمل في النفس, فتأتي عاطفة
الشاعر في التكوين الشعري معبرة عن مقاصده ,وتَشِي البنية الدلالية لنصوص الشاعر
عن حالِ وجدانية تتمثل بالتراكيب السياقية وما تحمله في أطوائها من دلالات
موحيةِ,وفي الوقت نفسه تعبّرُ تلك السياقات عما يعتمل في ذهن المنشيء من أفكار, فكل نص شعري يمثل صورة نفسية تختبئ
وراء كلمات الشاعر, فضلا عن عوامل مساعدة تُسهم
في صيرورة العملية الإبداعية وتكون وليدة اللحظة الانفعالية في حينها, فتوجه السياق
الشعري ,ولا نغفل هنا البيئة الاجتماعية وما تحمله من مضامين واتجاهات تتحكم في
رؤى الشاعر فيؤدي وظائف نصه ,وعند تتبعي لشعر الشاعرة خيرة مباركي وجدت كلماتها مُغَمَّسَةً
بنقيع الوجدان ,وان هذا النوع من الشعر المؤثر في المتلقي لا يأتي إلّا بسبب باعث
يثير الوجدان,إذ يأتي الباعث دوما رد فعل للأثرالخارجي ودليلا على قصدية المتحدث
,وبه يستشف الناقد الفطن الموازنة بين الواقع المعيش وهو الخارجي وبين الفضاء
النفسي للكاتب وهو محل الإنفعال الوجداني, فلكل نص نواة تعبيرية تكون سببا لتتدفق
الفيض الوجداني الشعري الصادق, وهنا يحاول الناقد الوصول إليها _أي نواة القول
بسبب الباعث _ليتأمل قوة(طاقتها التعبيرية المشعة داخل السياق التعبيري,لأن
ولادتها توميء إلى أول شرارة نفسية تنمو بذرتها في ظل تفاعل نفسية المبدع مع عالمه
المعيش,وتظهر العلاقة واضحة بينها وبين البواعث الخارجية)[1],وبعد استنطاقي لنصوص الشاعرة خيرة مباركي وتتبعي
للمستويات التركيبية التي اتخذتها,وتأملي للتكوينات الإسلوبية المقصودة التي اعتمدتها,
وجدتها تكتب رد فعل على وخز باعث خارجي لها, فهي لم تكتب عن فراغ ,وهنا تتولد
عندها رغبة في الرد شعراً,لأن(الرغبة في البحث والمعرفة والشعور بالسعادة
في اكتشاف الوقائع واعطاء الأفكارالجديدة هي العامل الأساس لعملية الإبداع)[2],
وسأحاول تحليل بعض من نصوصها لأمنح المتلقي
تعريفا بشاعريتها العذبة وامتلاكها أدوات
الإبداع الشعري,لقد حفل شعرها بأشياء كثيرة لا مجال لذكرها جميعا, ولكنني سأقف عند
بعض منها في أثناء تحليلي لنصوصها الشعرية مثل :وحدات الصراع والحيوية والتلوين
الشعوري,و مظاهر العلامة في التعبير وعلاقتها بالصوت و القصدية في استعمال الكلمة وعلاقة الأخيرة بالمعنى ,والعدول أو الإنزياح,وتوظيف الرمز
,وبناء الصورة الفنية والاهتمام بالوصف
ولاسيما الذي له علاقة بالواقع المعيش أو المخاطَب,فضلا عن السرد والتكوين
السياقي المنتخب لتمثيل الحال المرصودة شعريا, ومحاورة الوجدان تواصليا, إذ وجدت
عنوانات النصوص عند الشاعرة تنبيء عن ذلك,فكل عنوان أعده علامة تنضوي تحتها
الأفكار بوحدة موضوعية متراصة,إذ حضرت العلامة بأشكال مختلفة مرة بالكلمة وايحاءاتها داخل
السياق ,وتارة بجملة قصيرة,وأخرى بوساطة الرمز التاريخي وهكذا , لتكوين المعنى
المختبيء تحت السياق ,ومثال على ذلك ورود مفردات:( العزيز,فراديس,محراب,جبار,ملاك,معاريج
,قيثارة, الغواية,حب,المساء,ثقيل,الخوخ,أنوثة, الأنبياء,الذهول,العيد, الأنجم,أبابيل ,نون, سماء,أطيافك,ليلي, الغيم , المجون, الضوء)وغيرها كثير,
فالكلمة في عنوان النص لها دلالتها حين تنتظم
في السياق ,وبها يتم فهم النص لأنها تدخل
في عملية استقراء بنيتهِ التكوينية ,والأخيرة تمتلك قيماً فنية كثيرة مثل قيم
المعنى وقيم الموسيقى التي تتآلف معها لانتاج
دلالةٍ النص, إذ إن للبنية علاقة بالتوجه الدلالي المقصود, فهي مدعاة لإظهار
دلالات معنوية وصفات صوتية في آن واحد ,يقصدها الكاتب وعياً أو لا وعياً ,ومن ثم يوظفها
في إظهار الدلالة العامة للنص,فكان الباعث مولِّدا للبعد الفكري وهذا مؤسسا
للتكوين الشعري عند الشاعرة خيرة مباركي, لذلك حرصَتْ على عملية
التواصل مع المتلقي, فضلا عن بث ما يعتمل في نفسها من همِّ شعري, وقد تأملت نتاجها الشعري فوجدت حروفها
منقعةً بنجيع الوجدان, وكلماتها تنزُّ ألما ,إذ أنبأتني سياقاتها التعبيرية بعد
التأمل أن في أعماق الشاعرة بركان أحاسيس ثائر,يقتحم صمتها ويسهم في هيجان
آلامها,فاتسمت قصائدها بهيمنة الصور الحسية بسبب فوران الإنفعال حتى يصل طاقاته
القصوى ,ولهذا السبب أيضا هيمن الوصف
الملازم لذلك الإنفعال الوجداني, فضلا عن السرد الذي يمدُّ الوصف بأحداث أبانت عن موقف الشاعرة من واقعها الذي شكته
للكلمات ,فأوصلت الأخيرة غاياتها الوجدانية المختنقة,فتم البوح بصور موحية معبرة,فكلما
ربتت الشاعرة على ظهر الحروف انبجست مشاعرها صادحة ملونة ,فارتوت كلماتها برُواء أحاسيسها الصادقة المعبرة عن أطوائها وخبايا
الوجع المسكوت عنه ,إذ أنبأتني قصائدها أنها تتطاول على ما يعتريها من ألم لأنها
لا تحب الأنحناء أمام رياح الشكوى,فأعجبني شموخ النفس عندها,
وإذا بدأنا من الإهداء أجد المواءمة بين
الكلمة والتكوين السياقي ليفضيا إلى معنى دلالي عميق فهي تقول:(إليك.. وحدك../وطن..صروحه من جراحاتي/شيدته من بركان يفور في
أعماقي/يشرق بلهيبه في ضمير
النار.../ويسطع في أكواني الخرساء/لتداعب أصابع فصولي وتغويها/أهفو بحرفي المعتق
بأنوثة الخوخ).[3]
إن قدر المعنى يتعلق بقدر اللفظ ,فلكل واحد
أهمية في جمال النص وتصويره ,وهذا الأمر يبوح به الشاعر بوساطة ما تستوطن النص من إشارات واضحةٍ تنبئ عن اهتمام المتكلم
بالملفوظ , إذ إن كل شيء يخرجه المتكلم على لسانه له صلة بما يعتمل في نفسه ,ويشكل
اهتماما نفسيا لديه , فكل ما يختلج في صدره يتبدى من لسانه ليظهر شكل إحساسه
وتصوراته , وقد راعت الشاعرة الموازنة بين اختياراللفظ والمعنى المطلوب, وقد وجدت
هيمنة الصورة الحسية في عباراتها,وهذا يعني أن الإنفعال أخذ منها مأخذاً ,فكلما
احتدم الإنفعال مالت الشاعرة إلى الصورة الحسية فتارة جاءت الصور بصرية,إذ عوّلت عليها كثيرا,فهي تقول:( إليك.. وحدك../وطن..صروحه من جراحاتي)
وتارة حسية بصرية حركية كما في قولها: (شيدته من بركان يفور في
أعماقي/يشرق بلهيبه في ضمير
النار.../ويسطع في أكواني الخرساء/لتداعب أصابع فصولي وتغويها),ومرة تجمع
الصورة الذهنية إلى الحسية في صورة مركبة ليكتمل المعنى, إذ
تقول:(أهفو بحرفي المعتق بأنوثة الخوخ) , فعكس هذا التعبير حالا نفسية متعبة لدى
الشاعرة لم ترد البوح بها دلت عليها عبارة (أكواني الخرساء), وتصرُّ الشاعرة على تكوين مشاهد صورية مرئية كي تأنس لها
نفسها في أغلب ديوانها, فتدلّي تلك الصورعلى رفضها لواقعها المعيش,إذ تقول:(تبني بيتي
الوردي/وتنيرفي عرصاته شمووووووع )[4]
,
إذ يطالعنا مدُّ الحرف (الواو) للكلمة (شموع)
,وهذه الحال تتكررفي مواضع مختلفة من الديوان ,إنه علامة على وخز التوجّع عندها,فالشاعرة
تمد الكلمة في حرف المد إظهاراً لصيحة الأعماق ضد واقع رفضته,إذ تقول:(ما لِظنّي
يفيء في البراري؟؟؟يغري الأحشاء باللعنة المستحيلة/بالحب المتضرع بالصبر/بالتوسل/
يااااا أيوب/أنجم الشطآن تبعثرني
أشلاء/وأحلامي تغاااااادرني,بلا جواز في رحلة الوجع)[5],
فإرهاصات الشاعرة تبوح بها الكلمات التي هي علامات تقدمها إلينا برسائل ووسائل
مهمة ,فبوساطة مد الكلمة نستشف عمق الآهة في أطواء الشاعرة, فضلا عن موقفها الرافض
لذلك الواقع الذي تعاني منه,أي تتنامى في
شعرها وحدة الصراع كلما رفضت الشاعرة
الواقع, ويظهر ذلك جليّاً في سياقاتها التعبيرية,إذ تقول:(فلن تستعذب غيابي/ وانت الذي بارك فوضاي واصطفاها/في حدائقه
المبعثرة بعشق النسااااااء)[6]
,فالمتلقي يقف عند هذه الكتابة الرمزية و يستطيع من خلالها فك شفرات
العبارة,فالشاعرة تضم الإنفعال إلى حسية تعبيرها وهنا توخز كلماتها ذهن المتلقي
لإيضاح الألم الذي تعاني منه,لأن(قدرة الفنان على الإبداع تكون بفغل قوته الحسية
وفيلا هذه الحال تكون البصيرة أو الحدس ضربا من الإستدلال العقلي له)[7]
,فالوقوف على تلك الإشارات وتحليل معانيها , ومعرفه مغزاها يمكننا من الوصول إلى
غاية الشاعرة ,لأننا( نقرأ القصيدة من أجل أن نكشف كيف كيف تبدو الحياة لشخص آخر)[8],ولذلك
باتت هذه الإيماءات في نصوص(عيون تعزف
الوجد) علامات تؤكد حركة التفاعل بين اللشاعرة وما تقوله ,فكان كلامها وثيقة نفسية,لأن
تلك الظاهر الإسلوبية تعين على تحليل النص
, فهي طريق يدلي الباحثين عن المختبيء وراء السطور, ولهذا فإن للشعراء أساليبهم اللغوية, وكل لغة شعر هي حصيلة
انفعالات نفسية ,يُظهرها مضمون ما يجيش في أعماق الكاتب, ومن هنا فإن الكلام هو
رسالة إبلاغية, فكيف إذا كان الشاعر يؤكد أهميتها ووظيفتها في نصهِ , فالكلمة
تتحرك في بنية السياق حركة حيّة تمنحه
تموجات دلالية , فإذا أراد الشاعر أن يوسع حيوية النص جعل تلك الحركة انبثاقاً وجدانياً
قائماً على العدول , فإن ركدت حركة الكلمة سكنت حركة النص الدلالية, وانكمش مجال
الإنزياح الذي هو أسٌّ فاعل في تكوين الصورة, و من ثم جَمُد المعنى ,وبات ميتاً
بين يدي القارئ ,أي ينكمش مجال تعدد المعنى ’لكننا وجدنا العدول أي الإنزياح يشتغل
بطاقات قصوى في شعر خيرة مباركي,فأسهم هذا الأمر في رسم صور شعرية تحاور احساس
المتلقي لأن العدول (يقدم نبضا للصورة ويمنحها حياة دلالية أخرى
تقدم الإيحاء وترسم الدهشة لدى المتلقي،فالكلمة إذا ما عدلت الى معنى مستعار تتحرك
في السياق كموجة معنوية تغذي التصور والتفكر, وتنشّط النمو التصويري في النص)[9],تأمل معي صورها الشعرية الموحية:(أغزل
شعاع الشمس أحاجيا/وأسبح برئة البركان/فيا ليت وجهك يضيء شموعي التي أطفأها
العابرون)[10],لقد
رسمت الشاغرة صورها الفنية بأساليب البيان المختلفة,وأنهت ومضتها الشعرية بالكناية
ليتحقق التأويل في تأمل المعنى,( وجهك يضيء شموعي التي أطفأها العابرون),وتقول:(أنا
من أناك أنين وحنين لاينام/ منارة سفح تكبَّرللاهاتاااااات/وشلالها خيمة لية/يستظل
بها المكان الجريح)[11],
وفي كل ما تقول أراها ترفض الواقع الذي تعيشه ,فهناك موقف من الوجود تشي به
الكلمات وتبوح بمعانيه الصور الفنية ألما نفسيا تحكي معاناة الشاعرة إذ تقول:(لقد
ملني الإنتظار/والباب لا تقرعه كفك/ محض صفعات من صرير الريح/تحمل قبلات من
كالحريق/رنين الجليد يزحف نحو أطرافي)[12],فكانت
الصورة الفنية في شعرها معبرة عن خباياها بصدق ,مرسومة بأداءات بيانية
مختلفة,أطلقت الشاعرة الموهبة فجاءت عباراتها انبثاقات وجدانية مجسدة في صور تعددت
نوعا ولونا,وحضر التداعي أو التلوين الشعوري وبه(يمكن الحكم على قدرة المبدع في
ابتكار الصور,وقدرة خيالية في الغوص إلى مكنونات الإبداع...فيكون التداعي ركنا مهما من أركان العملية الإبداعية,وواحدا
من العوامل المؤثرة في تمدد المدى البياني أي تسلسل الصورداخل فضاء النص)[13],
وقد أعجبتني قدرة الشاعرة على التحكم بالتلوين الشعوري في نصوصها,أي السيطرة على
تداعي الصور ضمن اطار الوحدة الموضوعية للنص ,فلا ترهل ولا تشتت في فكرة
النص,فالشاعر المتمكن هو الذي يخضع المدى البياني إلى سطوته الشعرية ويمنعه من
الترهل بزيادة سلسلة الصور المتقافزة إلى الذهن في أثناء العملية الإبداعية ,(وهذا
الأمر لايتأتى إلا لشاعر يتمتع بسيطرة شعورية واضحة,وقابلية على الموازنة بين التداعي والقصد عبر صور تقوّي التلوين
الشعوري)[14],فالشاعرة
خيرة مباركي لم تغفل علاقة الصورة الشعرية بقصديتها ,ولم تسمح بوجود الصور الطارئة
بل اختارت منها ما تعبّرُ عن توجهاتها الدلالية , إذ( تبقى الصورة شكل الإحساس لدى
المبدع,وهي مشبعة بوجدانه وانفعاله,وفي الوقت نفسه اشارة واضحة في العمل الإبداعي
لايمكن للنقد تجاوزها,فهي توميء إلى مهارة الشاعر وتنبيء عن قدراته الفنية حين
يجعل الدلالات التي يبتغيها مرسومة مرئية لدى المتلقي عبر مهارته الفنية)[15],
إذ تتعشق الصورة مع الرمز فيأتي العدول محركا لموجة المعنى في السياق,لأن الصورة نتاج العدول الذي يصنع ( دلالة جديدة
تقوم على توليد صورة تحاكي الوجدان وتلبّي هدف القائل, فانحراف الدلالة في الكلمة
مرهون دائما بتوليد صورة, ولذلك يقوم البعد الدلالي للصورة أساسا ودائما على عملية
العدول)[16],ورأيت للرمز حضورا ملفتا للنظر في شعرها ,إذ تحرك
الرمز المستعمل في سياقاتها الشعرية ليضيء مساحات فكرية في ذهن المتلقي, فهي
تقول:(فأسميتك العزيز وأنت العاصف ..بجنوني/بسنابلي الممتلئة حتى الثمالة/ .لذا
أسميتك العزيز..الصاخب في عروقي..يا أنت الماتع في رموش الهوى /وأشربني نبيذا
لبريق فيك نخر ضلوعي..حين تلوذ الذاكرة/ ويستحيل لقاؤك بقايا غيمة/تهدر ما تبقى من
عطشي,سهامك تغزو بظلال الريح )[17],انه
العتاب المر تعلنه الصواغة الشعرية المعتمدة على مفردات البيئة فهناك بعد روحي
ينفلت من كماشة التعبير ليعلن رفض الشاعرة لما يختلج في أطوائها من أسرار,فتغلغل
الصراع النفسي في التكوين الشعري مبينا موقف الشاعرة من هذه الحال,وقد ساعد الرمز
التاريخي (العزيز)على ايضاح الدلالة,فهي رمزت له بالعزيز لغاية ,ربما أرادت منه
الوصف الخفي بالكناية لتعالي المخاطب عليها,فكلامها في مجال العتاب,إذ تقول: (استنشقك
صهدا في ضراوة الخشوووووع,ماردا يلفظ مجانيقه/اقترف غزو الرصاص/بخجل الصمت/ حين
فنيت في محرابك..فكيف أموت في مآذن غزوك)[18],لكنها
لا تكتم شوقها المجبول بالرفض وهي تخاطب ذلك المرموز له,فتقول:(أيها المسافر في
خافقي/تغني في دمي وطنا كالتّحنان)[19],
وتقول:(تمهل فعطرك جائع لخبزي وشوقك يرن وراء قرطي/يلوذ بأسئلة متشاكسة/أيها
الغافي على سفوح النهود/المهرول على شفاه الهوى../أضعت تواريخي في سجلاتك/ولم أدرك
دمي يمتطي جواده)[20],وقد
استعانت بالرمز فحقق لها وحدة موضوعية في النص , لأن(الوحدة الموضوعية لها أثر في
الصور والأخيلة,إذ تصبح كالبنية الحية في بناء القصيدة وإذكاء الشعور فيها)[21],فحرصت
الشاعرة على تناسق المعنى مع السياق النصي وانعكس ذلك على ترابط مقاطعها الشعرية
في وحدة موضوعية,لأن(المواءمة بين تنسيق الأسلوب والمعنى هو عمل يدخل في صلب تحقيق
الوحدة العضوية للنص)[22],فأوضحت
الشاعرة موقفها النهائي من المخاطب بوساطة الرمز نفسه أيضا, وقد أحسنت الشاعرة
استعمال التفاعل النصي لإيصال الدلالة واضحة إلى السامع مستعينة بالآية القرآنية في قوله تعالى:(وَاسْتَبَقَا
الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ
قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ )[23],إذ
قالت:(سأدفن في أعماقي صباحك/ولن تتلمظ راحتي/أو تتشرفني كرغبة منسية/فقد
استحلفتني أن أقد قميصي من دبر/فامرأة العزيز أورثتني صلوات ونوافل)[24],وبذلك
اكتملت الوحدة الموضوعية متحققة باستعمال الرموز والتفاعل النصي,إذ بدأت الشاعرة
نصها بالرمز وانتهت به,الأمر الذي أسهم في سبك النص الشعري ,فبانت الإضاءة وموقف
الشاعرة متخذة من الرمزمجالا لانسيابية السرد في نصها ,وأؤكد حضورا الوحدات(
الصراع و الحيوية
والتلوين الشعوري) في شعر خيرة,فوحدة الصراع تعني موقف الشاعر من الوجود أو
واقعه المعيش,أما الوحدة الحيوية فهي ( التي تتمثل بما يضمنه المنشيء من دفقات
شعورية وخلجات نفسية, تأتي بسبب وثبات وإرهاصات ذاتية متجاوبة مع وحدة الصراع ,
فالوحدة هذه هي الأخرى تخضع لزمان ومكان معينين)[25]
, بينما ( وحدة التداعي فبها يخضع الإنسان لسلطة التلوين
الشعوري, لأن الإنسان محكوم بذكرياته في أثناء الكتابة ويتنازع فيه الوعي واللاوعي
, إذ يطوع الماضي من أجل خدمة الحاضر ,
فيتبارى الاثنان الوعي واللاوعي للقفز إلى مكنونات النص البشري في أثناء صيرورته,
شاء المنشيء أم أبى )[26] , وعند التدقيق فياستعمالات الشاعرة للرمز نجدها توظفه لتبيان
موقفها من الوجود وتضمنه وحدة مشاعر فضلا عن الصور المتناسلة في النص تحت اطار
وحدة موضوعية ,وهذا الأمر يحسب للشاعرة,مثل قولها:(وعشتار شرنقتني بعزة
البهاء/تمهل..فقد تقفر زنبقة السفوح صهيل الهاوية)[27],وتبقى
الشاعرة مستعملة للرمز لتعبر عن موقفا من الوجود فتقول :(أنا سيمفونية
الورد..مواعيدي تفور من تنورها كقهوة أمي /أتطهر بسلالة الطين/وأرنو إلى صخرة
سيزيف/أدحرجها لأرفع صخرتي الراسخة)[28],وهكذا
أحسنت الشاعرة اختيار الرمز إذ استعملته
استعمالا مقصودا,فأسهم في تفعيل المعنى واغناء البعد التداولي,وتنشيط الدلالة
الإيحائية لدى المتلقي,لأنه عنصر من عناصر التعبير الكنائي الذي يغني الكلام
دلالة, فاللغة الشعرية منظومة كلامية تؤسسها قدرة الشاعر على انتقاء الكلمات
ومعرفة تضمينها في السياق ,بإكسابها أو منحها حركة حية تأخذ ذهن المتلقي إلى وجودٍ
ذهني , هو ابن الوجود الحقيقي , لكنه وجود تكلله الصورة الشعرية والدلالات المثيرة
التي تتغلغل إلى الوجدان, وكلما هيمن الشاعر على عمليه اختيار النص كلما هيمن على
أسلوبه , فالتكوين الأسلوبي يعد أحد الأركان الثلاثة في العملية الإبداعية, مثله
كمثل التكوينين الفكري والتواصلي اللذين يختصان بسمات في أثناء العملية الابداعية
, والشاعر الكبير هو الذي يستطيع تحقيق هذه الأركان الثلاثة بقدرة إبداعية لا تهمل
البناء الفني, ولا تنأى عن مراعاة مقتضى حال المخاطب,فتجتمع غاياتها عبر مستويات
النص التركيبي الذي يقوم على الصواغات الأسلوبية بعلائقها المختلفة , وتضمها إلى
مستوى المكوّن التوليدي الذي يهتم بالمعنى المترشح من عملية الرصف الفني المقصود
للسياق , فهو نتاج ثانٍ للتكوين الشكلي, يقدم لنا المعنى الذي يسعى إليه المبدع
لغايات مقصودة , فالشكل والمضمون لم يكونا محض كتابة أو تصورات اعتباطية , وإنما
هما يرتبطان بجذور العملية الإبداعية أصلاً, ويتواصلان مع الحالة النفسية للمبدع ,وقد
وجدت الشاعرة خيرة مباركي توازن بين انتقاء اللفظ ودلالة العبارة ,وقد وظفت السرد
في شعرها الأمر الذي يدل على قدرتها الوصفية ,ولاريب في ذلك لأنها فنانة قديرة
توائم بين رسم الصورة شعريا ورسم اللوحة فنيا,وقد منح السرد
في استعمالها الشعري النصوص تتاليا في
المشاهد والدلالة بامعان,فقد جاءت لقطات قصصية صغيرة مترابطة مع بعضها في بناء
النص الشعري,وكانت الشاعرة راويةفهيمنت المخيلة السردية على سياقات النص,إذ حرصت
الشاعرة على ايصال تفاصيلها إلى السامع
شعرا,فعكست حالة إنسانية أكدت وصف الواقع ايجابا أو سلبا,ولم تغفل الإبداع
الفني في سردها, فحضرت أليات البناء الفني التي تتبناها في عموم نصوصها لإيصال فكرتها الشعرية,ولم تخلُ قصيدة من
نصوصها من السرد,فقد وصفت وشكت وعبرت ومثال على ذلك قولها:(ولا يشربني غير السراب../يا عيد بأية
حال رجمتني/وتجرعت من صباحك وجعي/خانني العيد ياصديقي/أيها الناي النائح في
أعماقي/كأسي معتقة بالألم)[29] ,لقد
رأيت تلازم الوصف والسرد في نصوصها الشعرية,فالسرد نوعان :سرد موضوعي: يكون فيه
الكاتب مطلعا على كل شيء حتى على الأفكار السرية للأبطال,وآخر السرد الذاتي:تتبع
الأحداث من خلال زاوية نظر الراوي وأكثر مايكون في الكتابات الرومانسية[30],فكان
زمن السرد حاضرا في نصوصها,أما سرعته فكانت كالومضة ,لأن سرعة السرد تقاس بين طول
السرد وزمن القصة ,ولها اربع تقنيات هي:الخلاصة أي اختزال ما جرى في سنوات وأشهر
في أسطر أو صفحات, والإستراحة أي التوقف بسبب الوصف,والوظيفة الزخرفية وتعني
بتجميل الأسلوب وامتاع القاريء,والوظيفة التفسيرية ونعني بها أوصاف الحياة
الخارجية[31],وهذه
الأمور ألفناها في شعر خيرة مباركي,فهي تختار الكلمة بعناية مقرونة بالوصف والسرد والرمز,ولا
يحفى على باحث متخصص بأن علاقة مهمة تربط لفظ الكلمة ببناء السياق ومن ثم الاسهام
في توجيه دلالة المعنى المنطلق من نفسية الشاعر بناءً على باعث معين, وحرصت
الشاعرة على الإهتمام بالصوت الشعري ,فبسبب الباعث على قول الشعر يظهر في نصوصها اداء
صوتي له علاقة وثيقة بالمعنى, اذ (تؤدي شدة التأثير بالباعث الصوتي الى توليد الكلمات والأصوات إلى ما يكاد يكون
اعتقاداً غامضاً في وجود مطابقة خفية بين الصوت والمعنى )([32]),
وللفظ قدرة كبيرة في اظهار ايحاء المعنى النفسي لان ( جمال الكلمات وقبحها ينشأ عن جرسها أو معناها )([33]),
ولما كانت (رغبة المبدع تجعله يلتحم مع تجربته الكاملة في الحياة , شوقاً في
اقتحام الغامض )([34])
وتوضيحه بأساليب يرتضيها هو في تبيان ذلك الأمر لدى السامع, فالفنان المبدع قادر على كشف خفايا اللاشعور
وهو القادر على اظهار العلاقة بين الواقع والخيال بصورة فنية معبرة عبر قدرته
الفائقة في النصوص الى مكونات الشيء, وفي الوقت نفسه هناك علاقة بين ما ينتجه
المبدع والزمن, إذ إن المبدعين يغوصون في أطواء الماضي بسرعة فائقة تقلب
اللاشعور الجمعي لتخرج منه بنموذج ابداعي([35]),
ولانريد ان نذهب في التنظير بعيداً. ولكن مانريد اثباته هو ان ثمة علاقة بين الزمن
والتصوير الفني لدى الشاعر, فاللغة القوية
المعبرة هي ما تآلف فيها الجرس الموسيقي مع الدلالة وأفضيا الى صورة معبرة مكتنزة بالدلالة
وقصدية التعبير ,ولقد وجدت الشاعرة نوعت في الأداءات البيانية ,وجاءت سلسلة الصور
المتتالية في عملها الابداعي واقعة تحت سلطات الواحدات الثلاث كما ذكرت سابقا, وهي:وحدة
الصراع :أي موقفها من الوجود أو من
واقعها المعيش, والوحدة الحيوية :أي ما تمنح عباراتها من أحاسيس ومشاعر بانتقاء
المفردت التي يتضمنها فعلها الابداعي , ووحدة التلوين الشعوري: أي ما يتقافز
الى ذهنها من صور وتداعيات في اثناء عملها الشعري ,وهالني تميز الشاعرة خيرة
بالسطيرة على توظيف هذه الوحدات الثلاث في وحدة النص وتماسكه فجاءت الدلالة واضحة,وهنا
جاء المدى البياني في شعرها مصحوباً بالزمن النفسي , لان المدى البياني هو ( عمق
البيان واتساعه في بنية النص بما يحمله من دلالات متحققة عبر أساليب البيان
المختلفة وايحاء الصورة , ويتمخض المدى البياني عن مستوى دلالي يمتاز بخصائص محددة
غير منفصلة من التحليل او الصورة المقصودة )([36]),
فيهرع الشاعر الى صياغة الواقع صياغة بحسب تصوراته وخضوعه لسلطة الزمن النفسي, فتصبح الصورة الابداعية الجديدة (
موضوع الحدس الجمالي للفنان, وهي صياغة جديدة للواقع والطبيعة من خلال التفسير
المبدع )[37],
لقد جاء الزمن النفسي عند الشاعرة خيرة مباركي اطاراً حدثت داخله كل العمليات الابداعية الشعرية وصفا
وسردا ودلالة, إذ كانت الصورة في شعرها محاولة منظمة للبوح عن حاجاتها الوجدانية, فرأيتها
تختار العبارة التي يستريح لها احساسها,فتبدو العبارات موحية مؤثرة, ووجدتها تقتنص
الأزمنة من امتدادها الطويل لتضعها داخل أوقات محددة معلنة الموقف والشكوى والرؤى
الأخرى, إذ إن ذلك يعلل سبب غوصها الى الأزمان الماضية, او الرجوع
الى الحاضر, او التطلع الى أزمان مستقبلية , فانتقت الكلمات التي تتواءم مع الأزمنة المختارة, فكان زمنها النفسي خاصا بها ,وعلى علاقة
وثيقة بالصورة الشعرية التي أبدعتها موهبتها الشعرية , ويمكن للمتأمل في شعرها
ملاحظة ذلك,فلا مجال لذكر الأمثلة الشعرية لأن هذه الخصيصة تهيمن على عموم نصوصها مما يظهر تميزها الشعري..
وبعد:فالشاعرة
خيرة مباركي,مبدعة ,أخبرني شعرها أنها شجرة شعرها ملونة بالصدق والصفاء,تتوجع ولا
تبوح إلا لكلماتها,فلا غرابة أن تقول:(ثوبي الحرير ترهل/وأشرقت من مدامعه
الحكايا/تفور كالنعيق/ كحسرة عتيقة)[38],وتقول:(وفي
غياهب الشجن لا تتعجب من النرجسة المنهارة هو الجرح يا صديقي عميييييق عميق)[39]
, ورأيت لها موقفا صلبا من واقعها المعيش,
فلا تنال الآم الواقع من شموخ شجرة كبريائها , وجدتها تركن للشعر لأنه خليلها وصفيّها ومستودع
أسرارها , إذ يستوطن كلماتها جمال روحي حد
السطوع,وقد وجدت فيضها الوجداني ينبوع صحو في أزمنة القحط, ينهمر من غيمة شعرها
,فتنهطل كلماتها المرتوية بأحاسيسها من أغصان الوجدان ثمرا , تذوقته شكلا ومعنى ,
فألفته علامات لا تشي بأسرار الشاعرة إلا
للشاعرة نفسها أو لناقد فطن خَبُرَ مسالك الكلمات ومساربها,فشكرا لعيون شعرها التي
علمتني عزف الوجد بيقين معرفي.
[1] -أثر البواعث في تكوين
الدلالة البيانية,شعر جميل بثينة نموذجا,د.صباح عباس عنوز,دار الضياء للطباعة
والتصميم,العراق, النجف الأشرف, ط1, 1428ه-2007م,16.
[2] -
الإبداع العام والخاص,الإسكندر روشكا ترجمة د.غسان عبد الحي عبد أبو الفخر,سلسلة
عالم المعرفة(144),الكويت,1989, 71.
[3] عيون تعزف الوجد,شعر خيرة
مباركي,دار الجندي للطباعة والنشر والتوزيع ط1, القاهرة
[4] -عيون تعزف الوجد,10
[5] م,ن,91
[6] -م,ن,12
[7] -التفكير السديد ,جوزيف
جاسترو,ترجمة نظمي لوقا,مطبعة السعادة,مصر,1957, 111
[8] -أسس النقد الأدبي
الحديث,ريتشاردز,ترجمة هيفاء هاشم,دمشق,1967, 3/122
[9] - إعجازية التكوين الأسلوبي
في النص القرآني ومهمتا البيان التفسيرية والتأولية,د صباح عباس عنوز,المركز
الإسلامي الثقافي,لبنان,ط1,1438ه-2017م,220
[10] -عيون تعزف الوجد,33
[11] م,ن,77
[13] النص الأدبي من التكوين
الشعري إلى أنماط الصورة البيانية وهيمنة التلوين الشعوري,د.صباح عباس عنوز, ,دار الضياء للطباعة والتصميم,العراق ,النجف
الأشرف,1426ه-2005م,49
[14] -م,ن,50
[16] -اعجازية التكوين الأسلوبي في
النص القرآني,220
[17] -عيون تعزف الوجد,6-9
[18] -م,ن,9-10
[19] -م,ن,10
[20] -م,ن,13
[21] -النقد الأدبي الحديث ,د.محمد
غنيمي هلال,دار العودة, بيروت,1973, 398
[22] -ايماءة الهمس,دراسات نقدية تطبيقية,د.صباح عباس عنوز,التميمي للنشر
والتوزيع,العراق,النجف الأشرف,ط1, 1434ه- 2012م,12
[23] -يوسف/25
[24] -عيون تعزف الوجد,14
[25] اعجازية التكوين الأسلوبي في
النص القرآني,39
[26] -اعجازية التكوين الأسلوبي في
النص القرآني ,39
[27] -عيون تعزف الوجد,15
[28] -م,ن,69
[29] عيون تعزف الوجد,59
[30] -بنية النص السردي,حميد
لحمداني,46-47
[31] -بنية النص السردي ,حميد
لحمداني,73-74
[35]) ظ: الاسس النفسية للإبداع في الشعر خاصة، مصطفى سويف , 89.
[36]) د. صباح عباس عنوز, اثر البواعث في تكوين الدلالة البيانية, 34.
[37]) د. ابو طالب محمد سعيد , علم النفس العظمى , جامعة بغداد , كلية
الفنون الجميلة 1410هــ 1990م ,123
[38] -عيون تعزف الوجد,68
[39] -م,ن,12
