-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

لهفة ( الأنا ) في قصيدة الشاعرة العراقية منى الصراف

لهفة ( الأنا ) في قصيدة الشاعرة العراقية منى الصراف 
الناقد - د ناظم حمد السويداوي
النص :" 
سَفَرٌ .. خارج .. خارطتي " 
لمْ يَعدْ يعنيني شيءٌ .. 
سِوى الإفصاح عمَّا يَجول ُ في عالمي 
هَدَأ دَوران دَمي ، 
وقَلِبي دَقاته تَوازَنَتْ 
كَنَغماتِ نااااي ، 
أدْخلُ بحلمٍ واعود بأخَرْ  . 
صورٌ كَثيرةٌ .. بلا إطار أجْمعها 
وشيء منَ الفرحِ يَعودْ   .. يَعودْ 
فَتَتَوهّجُ يَدي بالأنوارِ ! 
وتَختَفي كُل بُقَعها البُنيّة الداكِنة 
كَمْ تَغَيرتْ مِرأتي ! 
تَهُزّني .. 
مِثلَ رِيشَة في الهواء .. 
تَداخَل العَقل بأحساسي .. 
بكِل شيء حَولي .. 
لَمْ أشْعُر بأنني أشيخ 
تَسَمْرتْ كُل ذكرياتي ، 
وكِتاب فَلسَفة أول كُنا قرأناه مَعاً 
قَرأناه .. معاً أيام الصبا 
وخِزانة ملابس .. 
لا تُلائم ما أشْعُر بهِ الأن !! .

يتنفس هذا النص في فضاء الذات المغيبة عن الآخر، وهي محاولة للإفصاح عن المسكوت عنه ، وكشف اللثام عن الضمير ( أنا ) الذي تواتر كثيرا في هذا النص ، وهذا يؤكد أن ثمة تفاوت لحظي في زمن الذات المخترق لكل قوانين اللحظة الشعورية المشتهاة ، مما يدلنا على قلق واضح ، وعلاقة متوترة في مزاج نفسي يستعصي على المتلقي ان يفك شفرته بسهولة . فالشاعرة ( منى الصراف ) اعلنت عن ردة مفاجئة من اول سطر نقرأه لها ، لتضع القارئ أمام احتمالات متعددة ، يصعب عليه ان يختار أحدها ويترك الآخر ، وهذا هو السر الذي تتوشح به أغلب قصائد الشاعرة .

وعندما نتابع نصها المثير للجدل ، ندرك أن الكيان المؤسس لهذه الكلمات ، هو ذاته الكيان الذي يتصارع مع نفسه ، حين يحمل دلالتين هما : السلب والإيجاب ، ويتحدد ذلك من خلال قراءتنا لفعل الرفض الذي أرادته الشاعرة :
لم يعد يعنيني شيء
سوى الإفصاح عما يجول في عالمي
هنا ، لابد من وقفة متأنية ، ف ( سوى ) تحمل دلالة اختيار البوح عن المشاعر الكامنة في الذات الانسانية ، ويستند هذا المحمول على ارضية ثابتة مليئة بالخصب والنماء في استدراج الطلع ان يظهر في دائرة الحصاد الروحي ، المتمثل بفعل حركي يقودنا الى الحلم المتواتر من دون ان يقف على دلالة واحدة ، انما يعلن عن تسرب الكثير من الاحتمالات الواردة المتشكلة في افق حداثي يفتح لنا نافذة قراءة أخرى بشكل مغاير حين يفتح النص دائرة الخيال الذي يشي بالحركية وعدم الثبات في تبادل ادوار الحكاية :
هدأ دوران دمي
وقلبي توازنت دقاته
كنغمات ناي
أدخل بحلم
وأعود بآخر
إن جدلية الحركة والسكون ، أوقعت الشاعرة تحت تأثير تحولات معينة ، ضمن واقع مضطرب ، تفرضه قوانين الذات المكلومة ، التي أسست لمشهد الحزن ، الذي ترك سطوته في أنا الشاعرة . وما اختيار ( الناي ) الا تعزيز لاستراتيجية الحزن المتحرك بإيقاعات شعرية نادرة .
وهذا التحوّل يُفهم على ضوء فهمنا لتجربة الشاعرة المتساوقة مع مزاج عال ، يخلق ردة فعل عند القارئ كلما تدرجنا بقراءة القصيدة ، ويحصل هذا من دون الاتكاء على مقاصد الفهم الدلالي ، حين يدفعنا الى اجراء قرائي جديد ، يحرّض على التكثيف الممنهج الذي جاءت به الشاعرة كوجه جمالي ومثير عاكس لنصها المليء بالمفاجآت المتوقعة وغير المتوقعة ، وهذه لعبة فنية متقنة ، استحضرناها ونحن نتابع خيوط القصيدة . فحين نصل الى :
كم تغيَّرت مرآتي
تهزّني
مثل ريشة في الهواء
ندرك ــ عندئذ ــ أن مثيرات المناخ الجمالي في القصيدة قد بلغ ذروته ، بفعل ظروف طارئة ، دلَّت عليها مرموزات القول ، وهذه الاشارية التي تنفتح أمامها الكثير من الاحتمالات ، ماهي الا تخصيب واع لمهيمنات الواقع الحتمي الذي يتوجّب على القارئ أن يدور بأكثر من اتجاه ، ليفهم انفتاح القصد عند ( الأنا ) ضمن أشراط القناعة التي يحددها لذاته .  
وفي هذا المستوى نكون امام شكل آخر من أشكال المغايرة التي أنتجها النص ، والتي تمظهرت بحشد متفاوت من الدلالات المؤدية الى حالة السكون التي جاءت بها الشاعرة ، كرد فعل ـ على مايبدو ـ على المزاج الحلمي الذي تغنّت به :
تداخل العقل بأحساسي
بكل شيء حولي
لم أشعر بانني أشيخ
تسمّرت كل ذكرياتي
إن هذا التلاقح الذي جاءت به الشاعرة ( منى الصراف ) هو نوع من المهادنة التي تسعى الى بناء بُنى منتهكة لسياق الفهم عندنا ، فمجازية الاحتمال ( لم أشعر بأني أشيخ ) فتحت المجال لمجازات أخرى ، هدفها هو تحاشي اللجوء الى الاستسلام ، فكل مقاطع القصيدة أشبه ماتكون بمشاهد متمايزة الأطياف ، إذ لايمكن لنا قراءتها إلا متفرّدة ، بعيدا عن السرد القصصي الذي تتواتر كثيرا في الشعر العربي .
وتبقى لحظة الابداع عند الشاعرة ( منى الصراف ) تستمد ممكناتها من ذهن منفتح ، عبَّر عن الدوال بأدوات تواصلية ، لم تخدش ذائقة المتلقي حين يتابع القراءة . إذ إن الميول الممكنة للأنا مع الآخر المغيّب الذي لم يصرّح به الخطاب الشعري ، ماهو الا دليل على القدرة المائزة لممرات المشهد الذي صنعته الشاعرة بريشة الكلمات المتقنة ، وهذا دليل على قدرتها الفائقة في انتاج المعنى . وتبقى هذه محاولة ، من كم هائل من محاولات الشاعرة في ديوانها الموسوم ( سَفر خارج خارطتي ) لإستجلاء بعض معالم الإنتهاك الجمالي الذي ينتصر للحظات التداول الشعري ، ويفتح ممرات أمام القارئ ، تسمح له بالتأويل ، أو اضافة كلمات ، او سياقات أخرى محتملة ، وهو يطالع خاتمة الإسترجاع : وكتاب فلسفة اول
كنّا قرأناه معا
معا أيام الصبا
وخزانة ملابس
لاتلائم ماأشعر به الآن ......

عن محرر المقال

Unknown

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية