طـقــوس الـعـيــد
مـا بيـن الـبـائـد والـسـائـد
بقـلم الشـاعر
والأديب : نصــر أيــوب
لو رجعـنـا قليلاً إلى الـوراء بضعـة عـقـودٍ من الـزمـن ، لارتحلـت بنا
الذكريات إلى طقـوس العيد السعيدة في
الزمن الجميل ، تلك الأيام المزركشة بأثـواب البهجـة والنقـاء ، والبساطـة
والعفوية في التعامل وأنماط السلوك من غير تكلفٍ أو صناعة .
كُـنّـا نستعـد ليـوم العيـد وننتظـره بفارغ الصبـر منذ صلاة الفجـر ، نهلل
ونكبر ونصلي صلاة العيد لنذهب بعدها إلى مع شيخ المسجد وكبار السن إلى المقابر
الدعـاء وقراءة الفاتحة على أرواح أمواتنا ، ثم نعـود للبيت فتكون أمهاتنا بانتظار
عودتنا وقد جهزت طعام الإفطـار وخبز العيد وحلويات العيد الشعبية من معمول الجـوز
والكعـك المُـحَـلّـى بالـتـمـور وبعض السكاكر المبتاعة من متجر الحي ..
خلال وقت النهار نبدأ زياراتنا بصلة الرحم
من أقارب الدرجة الأولى وبعض أبناء العمومة والأصدقاء والجيران .. لنجتمع بعدها في
الحارة مع أقراننا ، كل منا يستعرض ما بجعبته من الهدايا وما بجيبه من نقود قام
بمعايدته بها الأهل والأقارب وبعض الزوار .
كنا نلعب ونلهو هنا وهناك لا يرهقنا لا
تتعبنا الهموم ولا ترهقنا المشاكل ، حياتنا بسيطة وألعابنا بسيطة أيضاً ( أُرجوحة
الحي ) المصنوعة من الحبال المربوطة بألواح الخشب ، والبالونات الملونة ،
والسيارات المصنوعة من الأسلاك ، ولعبة فقاعات الصابون وغيرها .. ومع بساطة هذه
الألعـاب إلا أننا كنا أكثر فرحاً بها من أطفال اليوم في طقوس العيد ، حياة بسيطة
بعيدة عن القلق والتوتر والتصنع والمبالغة في الإداء !!
وكان أهم ما يميز هذا النقاء وهذا الفرح هو تجمع أبناء كافة الأسـرة في (
بيت العـيـلــة )الأحفاد و الأبناء والآبـاء والأجـداد في جـوٍ أُسـريٍ مليء
بالبهجـة ومفعم بالسعادة وضجيج الفرح المعـبق برائحة القهـوة ، كان لا بدّ من هـذا
التجمع في كل عيد نتناول فيه الطعـام من الأكلات الشعبية وكعك العيـد ونستمع
لحكاوي الكبار وذكرياتهم ونوادرهم المحببة إلى نفوسنا ..
في ذلك الزمن – وفي طقـوس العيد بالذات - لم تكن الفروق شاسعـة بين أفراد
المجتمع ، الغني والفقير فالطقوس واحدة ومتقاربة إلى حدٍ ما ، لم نكن يومها نعرف
العصبية العشائرية .. ولا العنصرية الطائفية أو العرقية ،بل تجمعنا الإنسانية
وصناعة الحياة في قلوب البشـر .. حياة بعيدة عن الزيف والرياء ..
وأمـا في هـذا الزمـن الذي غـلَـبَ فـيـهِ الحاسـوب على المكـتـوب ، زمن
الـعـولمـة السـريع الذي غلب فيه المظهر على الجـوهـر ، الزمن الذي جـمّـعَ البشـر
افتراضيـاً على شـاشـة تقودهـا الأزرار ، وقـرّبَ المسـافات على هاتف محمول لكافة
الأعمـار.
ولا يعني الحديث بما أسلفت أنني ضد هذا التقدم العلمي المبهـر .. ولكنني ضد
ما رافقه من أمراض العصر الفكرية الملوثة التي جعلـت منا أُنـاسـاً افتراضيين ،
نرسل التهاني والتبريك على شاشة الحاسوب والهاتف المحمول .. حتى حلويات العيد
نرسلها أحياناً من رموز الحاسوب الافتراضية التعبيرية التي لا يقع تأثيرها في
القلب والنفس كما لو كان اجتماعنا في( بيت العـيـلــة ) ..
أقـر وأعتـرف بأنها تقنيات علمية
مفيدة وبكنها بنفس الوقت لوثّـت فينا نفوسنا ومشاعرنا الحسية النبيلة تجاه روابطنا
الأسرية وعاداتنا المجتمعية الزاخرة بالقيم والأخلاق الحميدة والتي نفتقد كثيراً
لطقوسها الجميلة بالذات في بيت العيلة الذي استبدل بشاشة الحاسوب ..
هـذا البيت الذي يشعرنا بالألفة والمحبة والبهجة والسعادة – ربما – بادت
طقوسه بسبب التكاثر البشري والتناسل الأسري والتعدد العائلي بالأبناء والأحفاد مع
ضعف الوعي الاجتماعي وعدم مواكـبتـه لهذا التطور السريع الأمر الذي كان سبباً في
قلة التواصل الأسري والاجتماعي ..
ولا ننسى
ما سببته ظـروف عصر ( العولمة ) من مشاكل وحروب وفتن
ومشاكل
اقتصادية وعـرقية وما رافقها من هموم ومشاغل حياتية أودت بنـا إلى التلوث الفكري
في القناعة والسلوك ليبقـى ( بيت العيلة ) رمـزاً من رمـوز ذكريات الفرح التي تعيش
بداخلنا ما بين البائـد والسائد من طقـوس العـيــد ..
