عالَمٌ أصمٌّ..... على شاطئِ بحرِ المرارةِ
بقلم / مرام عطية
بعيداً عن بابَ الرَّحمةِ النَّجلاءِ ونوافذِ الغيومِ الحانيةِ على الكونِ الحزينِ ، بعيداً عن أشجارِ الإنسانيةِ وزنابقِ المحبةِ العطرةِ ، هناكَ فوق صخورِ شاطئ بحرِ المرارةِ الرمليِّ يقفُ عالمٌ أصمٌّ أعمى ، أدقُّ أجراسَ كنائسي يصمُّ آذانهُ عنِّي ، أسقيهِ برتقالَ خميلتي يسكبُ خشونةَ ملحهِ في فؤادي ، أنثرُ على وجههِ الحبقَ والخزامى يرميني بأحجارِ المرارةِ ، لا تعرفونَ مرارتهُ ، يتكئُ على جرفٍ الكبرياءِ الهشِّ ينحدرُ في قيعانِ النذالةِ ، يموءُ كالقططِ ، يزأرُ، يلتهمُ المساكين والضعفاءِ لو رأيتموهُ لاقتحمَ وجههُ القبيحُ عيونكم بالمدى والمخارزِ ، يرتدي قشورَ الحضارةِ كالقبورِ المكلسةِ بيضاءَ ناصعةٍ و بداخلها العفن والنتنُ ، أنتعلُ في دروبِ الكدحِ الحفاءَ و ينتعلُ لاهياً عابثاً العرباتِ الفارهةِ ، أمرُّ نسمةً على قيظهِ ،يضجُّ بالضوضاءِ ، أتقلَّدُ النورَ يلبسُ الَّليلَ حلةً قشيبةً ، أقرأهُ ميلاداً وقيامةً جديدةً ، لا يقرأُ حروفَ جراحي ،و لا يبصرُ عريَ أطفالي ،لايعيرُ التفاتةً خضراءَ بؤسَ وجوههم الكالحةِ ، أطعمهُ رطبَ نخيلي ، يشيحُ عن جوعي لسنبلةِ عطفٍ وشوقي لهمسةِ سلامٍ ، عالمٌ أخرسٌ ، أحدِّثه بأبجديةِ الحبِّ تنطلقُ من شفتيهِ المدافعُ والصواريخُ ، يشهقُ خميرَ القمحِ ، و نبتَ الجمالِ ، ويزفرُ الحقدَ والكراهيةَ ، لاكرومَ للحسانِ فيهِ ، و لا ماء يصونُ كرامةَ الإنسانِ ، أهاتفهُ حبَّاً يغفلُ عنِّي ، أعانقُهُ بالياسمين يطوِّقُني بأغلالِ الوهم والمماطلةِ والتهميشِ ، أرتِّلُ في محرابهِ ينحرُ أمومتي كلَّ يومٍ ، ويهتكُ عذريةَ صدقي، بفتاوى عفنةٍ تحسبُ حضارةَ العلمِ وهماً وسراباً ، كم تمنيتُ أن لاتكونَ هذا العالمَ الحجريَّ ياوطني ! ، تنفي كلَّ فكرٍ يغرِّدُ على أغصان النور ، وتفني في الطفولةِ بذورَ الأحلامِ ، تعوم على بحرِ من ذهبٍ ، و يغرقُ أبناؤكَ بالفقرِ ، يجترون المرضَ والحاجةَ أيُّ ذلٍ هذا يتبخترُ على سهولِ جسدي ، ياللألمِ أهديكَ عصافيرَ شدوي ونبضَ فراشاتي تمطرني بالشقاءِ ، كيفَ يصيرُ قلبُكَ من صوانٍ وعيناكَ من حطبٍ ، لا يرى دمعَ الخزامى ولا يدركُ نبضَ السنابلِ في أمواهِ دجلةَ والفراتِ ولارسائلَ النَّخيلِ للحياةِ ، صقوركَ تصطادُ الدُّوريَّ والكنارَ ، وحيتانكَ تبتلعُ الأسماكَ الصغارَ وأطفالكَ يلتهمهم الذِّئابُ ، وأنت تدري أنَّ عالماً لا يشرقُ الفجرُ فيه عن همسةِ زهرٍ أو لحنِ ابتسامٍ ، عن أقاليمهِ العدلُ غابَ ؟! كيفَ أحيا ولا أصرخ بالليلِ ؟! ياللعارِ !! رحماكَ ربي ، هل من نافذةِ للضياءِ تمطرُ أحلامي فرحاً ؟؟
