الى السيّاب... بقلم / الشاعر.. اديب مجد
الضوءُ ينزِفُ في الغروبِ على البيوتِِ
وفِي الطريقْ
وظِلالُهُ تمتدُ لا ترضى الرجوعَ ولا تُطيقْ
سيظلُ يذوي مثلما
تذوي زهورُ العاشقينْ
منسيةً عطشى
وقد مرّ الزمانُ بلا لقاءْ
وعلى امتداد الأفقِ ينتفضُ المساءْ
عَبَثاً يحاولُ أن يضمّ بقية الْعُمْرِ الثمينْ
كفّاه يلتمعانِ بالشَفَقِ المُشتّتِ في السماءْ
فيضيعُ كالدمعاتِ في رمل الحياة ولا يبينْ
كالحب، كالآمال كالأحلامِ
تسرقها السنين
وهناك، خلف تقاطُعِ القضبانِ في البيت العتيقْ
قلبٌ تعلّقَ بالنهارِ وقد مضى عَنْهُ النهارْ
مازال يحلمُ أن يعودَ ولا يَمَلّ الإنتظار
في حسرةٍ ممزوجةٍ بالشوقِ تسكنُ في الضلوعْ
في لهفةٍ تمضي كما يمضي الضياءُ
بلا رجوعْ
وهناك صوتٌ آدميٌ كالنشازْ
يعلو ويهبطُ كلما تمشي الحرارةُ في الجهازْ
يحكي عن العُمرِ المسافرِ والحنينْ
مترنح الألحانِ، تخرُجُ كالأنين
والصوتُ يعلو
ثم تخنقه المرارةُ كالغريق
ويضيعُ بين نشيج عبرتها وصوتِ العابرينْ
وتصايُحِ الأطفالِ
تحت نوافذِ البيتِ الحزينْ
يتراكضونَ على نداءِ الأمهات
قد كان يلعبُ مثلهم وقت الظهيرةِ حين ماتْ
جاءوا به للبيت محمولاً
-تعثّرَ في الطريقْ
وتصيحُ فيهُ فلا يردُ على النداء ولا يفيقْ
قد ماتَ.
قد ماتَ، لا تُجْدي الدموعُ ولا بكاءُ النائحينْ
تصحو الجروحُ مع الظلامِ وتستفيقْ
مذعورةً من قسوةِ الليلِ المهاجمِ حين جاء
من وحشةِ الساعات
من وجعِ المرارةِ في النداءْ
كفؤادها المدفونِ في الماضي ويرهقُهُ الرجاءْ
ويقولُ يا ولدي، يُكررها
فتَشرَقُ بالدموعْ
والذكرياتُ تُشعُ نورَ الأمس غضاً كالشموعْ
وجهازها البالي يبوحُ بما تُحسُ بهِ
وكان
أيعودُ نورُ الصبحِ يسطعُ في المكان
وتظلُ تنتظرُ الصباحَ فَقَدْ يعودُ
مَعَ الدخان(١)
الشاعر اديب مجد
(١) خيطٌ الدخان في نهاية الاغنية
