أتوكأُ على عصا التفاتتِكَ الخضراءِ .. بقلم / مرام عطية
أيُّ فأرٍ بريٍّ يناكدني ! يقرضُ خاصرةَ الفرحِ النحيلةِ ! مخالبهُ تستبيحُ أحلاماً عذراءَ تنامُ في عيني طفلةٍ شقيةٍ ، يهتكُ زجاجَ حديقةِ البراءةِ فتسيلُ الروحُ مدماةً على جسدٍ نديٍّ .الخواءُ يفغرُ فاهُ ، قطعانُ الفَقرُ تستأسدُ مستشرسةً ، تلاحقني ، تقاتِلُها جندُ الأماني على تخومِ عمري ، تدجِّنها ، تصفِّدها بوثاقِ حديديٍّ ورسنٍ مجدولٍ بالرهبةِ ، تطوقُ عنقَها تشدَّهُ إلى وتدٍ في حظيرةٍ بعيدة عنِّي ، ياللخوفِ ! ينفلتُ القطيعُ من جائعاً، تقرضُ فئرانهُ خيطاً ثميناً من فستانِ روحي تسرقُ لؤلؤةً من خلجاني العميقةِ ، تنزفُ شراييني ، عيناي تحفرُ مسارباً محدبةً، تروي تجاعيدَ الألمِ ، تثقبُ بللورَ أحاسيسي، يتحطَّمُ ، تجرحني شظاياهُ الحادةُ ، لله من يبعدهُ عنِّي ؟ أطبقَ الَّليلُ على أقماري ، من يهديني قبساً من نورٍ ؟! أجترُّ آحزاني ، ألوكُ الوجعَ ، أشربُ حنظلَ الصبرِ راضيةً، فكيفَ أكوابهُ ترغبُ عن جراحاتي ؟ !
فارغة كؤوسُ الجلدِ ، أتجلَّى ، أرتقي محرابَ الحبِّ المقدَّسِ ، أستلُّ من النُّهى أغنيةً خضراءَ غنَّيتَها لي ذاتَ شوقٍ ، أصدُّ بها هجومَ قوافلِ الوقتِ النحاسيَّةِ ، تلوحُ غيومكَ تهدهدُ دموعي ، تشعلُ شمعةَ أملٍ في أقصى ظلمتي
أتوكأ على عصا التفاتتكَ الخضراءِ ، في جيبي شتلةُ حبقٍ تطردُ فلولَ اليبابِ ، وريقاتها الغضِّةُ تسحبُ أمصالَ الخواءِ، تلبسُ الثواني ابتسامةَ الربيعِ القادمِ على شرفاتِ الغدِ ، فتندى الزُّروعِ اليابسةُ على ضفافي الشَّاحبةِ ،يتعطَّرُ دربُ الخريفِ العجوزِ ، يضحكُ مستبشراً ، وعلى أغصاني نحلةٌ رشيقةٌ تسافرُ بعيداً ترشفُ الرحيقَ من خميلةٍ قريبةٍ مني ، تنسكبُ داليةُ كرمٍ على ثغري ، لن يجفَّ حقلي ، على مسافةِ نبضٍ شجرةُ توتٍ شاميٍّ ، شرانقي تنتظرُ خيوط الصباحِ لتنسجَ من خيوطها ثوبَ حريرٍ بديعٍ لحساني ، ما أشدَ حنانكَ ربي ! إذن سأحيكُ من خيوطها عرزالاً أحرسَ فيه بقايا أحلامي الجريحةِ من قوافلِ اليبابِ وقيظِ الحاجةِ
هاهي تستبسلُ لتبقى جزيرةً خِصبةً في بحرِ الخرابِ .
