وجه في المرآة .. بقلم / عبدالزهرة خالد
لم أقرأ عنها في الكتب العلمية والأدبية إلا أنها تكون كالإشارة والوصف في كثير من المقالات والأشعار والومضات.
لم ينسها الإنسان أبداً في أدبياته وفي مطالعة ملامحه وتصفيف شعره قبل الخروج إلى خارج المنزل أو لمقابلة عزيز.
عرفها الإنسان عندما أكتشف وجهه مطبوعاً على بركةِ ماءٍ راكدة ثم اضطر إلى تطويرها عن طريق صقل حجر البراكين لكنها لم تعطيه الصورة الواضحة لجسمه ويقال أن أول من صنع المرآة هم أهل وادي الرافدين قبل ٤٠٠٠ سنة قبل الميلاد وهي عبارة عن لوح من النحاس المصقول صقلاً ناعماً وكانت واضحة المعالم ومنتشرة بين الأقوام إلى أن تم اكتشاف الزجاج ومنها هذه المرآة التي نقف نحن دائماً أمامها مذعنين لما تشرح بصدق تام عما ترى من ملامح.وعندما اكتشفتها في طفولتي أول عمل قمتُ به هو مشاكسة جدتي حينما أعكس نور الشمس بواسطة شظية من مرآة مرمية وفرحتي الغامرة كلما أرى أنجازي بطبع ضوء الشمس على جدران بواسطتها لقد نفعتني كثيراً في طفولتي .
فالمرآة لم تكذب أبداً لكنها لم تحتفظ بالصورة كلّما زارها وجه فهي لا تتغير بوجه المرء بقدر ما يتغير في وجهها المارون . لم تتحيز لشخصية الفرد غنياً كان أم فقيرا فهي في حياد تام مع جميع الأشياء تجدها واقفة بمسافة واحدة لا تفرق بين الجميل والقبيح.
عيبها النسيان ولا تبحث عن الغائب أبداً لكنها ترحب بصمت كبير أمام القادم ، ولو لديها كذبة صغيرة وهي محمولة على جوانب السيارات والعجلات قد تقرب المسافات لفائدة الإنسان رغم أنها غير مستعدة للتضحية عن أيٍ كان فهي على عكس الحديث القائل المؤمن مرآة المؤمن.
لم أرها يوماً أن تغوص في بواطن الأشياء لا ترى الصورة في الظلام فهي تشارك الظلام في سواده وحلكته تسارع في التقاط الشُعَاع أو الضوء الظاهر خلف الأجساد ، وعليها الظاهر لا تعرف ما في خلفَكَ وجيبك وما يكمن قلبك من شعور ربما تكشف البسمة الكاذبة أو الغمزة السائبة ، تراعي بكل سرور الضحكة على النفس والتعجب من مرور العمر إلى هذا الحد الذي يفصله زجاج المرآة . تحضر في الحاضر لكنها لم تشارك أحداً في تأريخه وماضيه ، الفارق كبير في المنظر كلّما تبتعد عنها ويسبقك الذي قبلك في الظهور لا يهمها من يكون وقد تعيش في صمت مدقع ولدهور في بيت مهجور ، تتحدث مع الجدران بكل طلاقة وحرية بلغة لا يفهمها أذكى مترجم ، تسافر مع الفتيات في حقيبتها الصغيرة قد تبدو صغيرة كي لا يطردها مضيف الطائرة ، تنبه الجميلة ، وترشد الفتاة المحتارة ، لها دور كبير في كثير من الأمور لكنها لا تجيد التمثيل والرياء والنفاق ، بريئة من كل ذنوب الناس ،
تعيش على الفطرة بين الصغار والكبار وغالباً ما يسمّرها رب البيت على أحد الجدران ، لا تحذر الأصابع ولا الأرجل حينما يهشمها حجر أو مطرقة
لا تتحمل الصدمات … أعتقد سيعاني البيت معاناة كبيرة حينما لا يجد منها مثيلاً لاستقبال الوجوه .احتفظوا بمرآتكم كي تعرفوا طولكم وحجمكم ، هي صادقة أفضل من صديق متملق .هذا كل ما أعرفه عن المرايا ماذا لديكم عنها أرجوكم أفيدوني … وهل هناك من ينوب عنها كي يرافقني طيلة حياتي المتبقية.
المعذرة منك عزيزي القارئ للإطالة في الموضوع لأني وجدتها مظلومة ولم يذكرها أحد في أرقى أو أتعس الحالات…
——————
البصرة /٢٥-٥-٢٠١٨
