-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

ياربي عفوك .. بقلم / هادي عباس حسين

ياربي عفوك .. بقلم  / هادي عباس حسين

سأصل بعد  دقائق إلى مكاني المقصود والذي فارقته بلا عودة تاركا ورائي ذكريات  بعضها حلوة واغلبها مرارة لا يمكن للروح تقبلها، اللحظات صارت سنوات في مفهوم شوقي ولهفتي لرؤية الاحباب ،لم يبقى احد منهم فامي غادرت الدنيا وتبعها ابي كان حزن فراقهما كبيرا وأنا في بلاد الغربة  التي لم اوفق بتحقيق النجاح بها ،نظرت بعين استفهام وبهم قلت
، ألم تسرع قليلا..
لم يعجبه سؤالي بل بادرني بالرد
= إنها سيارة قديمة ..
قرأت في عينه وما عرفته قاله لي
= ابني لا يأخذك ما هو في الداخل  من البلد الذي كنت فيه..
وددت الإجابة لكنه استأنف الكلام
=انت كنت في الخارج ..الآن عدت لبغداد..
بالفعل أراها مهدمة على وشك مستقبل مجهول،كلما ابطيء بالسرعة كدت أ حبس صرخة في أعماقي اعبر عنها بالتفاتة يملؤها صمت قاتل على إثرها نظرت بسرعة الى حقيبتي المركونة في المقعد الخلفي  داخل السيارة  وتمتمت بكلمات بسكوت متحدثا مع نفسي
= والله لو أستطع تحمل حقيبتي لنزلت حالا..
ما زال كتفي يؤلمني جراء حملها عليه داخل صالة الاستقبال في المطار ، لم أتفوه بكلمة واحدة سوى كنت مرغما باستدارة جسدي كلما استدار سائق السيارة صوب الاتجاه الذي سيوصلني إلى الهدف كانه اراد ان يبعد عني مرارة الشوق واللقاء ليسألني
= كم سنة وانت مغترب..
أجبته بأسلوب لما أمسكت بأطراف شعيرات رأسي قائلا
= منذ كانت هذه الشعيرات سوداء..
شعر بأن ما في داخلي جراحات أخشى ان تنزف فرد علي
= ثلاثين..
قاطعته بالحال
= أربعين  عام..
حدق في وجهي وقال
= ماذا استفدت..جمع المال..وما غايته..
تشاركت عينانا بنظرة ليستقر بنا  القول
= أنظر ما حل ببلدنا من خراب..
لربما إحساسي أكثر مرارة من إحساسه الذي من خلاله أن يوصل فكرته لي مضيفا بكلماته
= علينا ان نكون يدا قوية ندافع ونبني ما هدمه الاعداء..
وجدت نفسي انتهى بها المطاف لأرد على حديثه المتواصل قائلا
= انا لم اكن سياسيا مطاردا..وهربت بل كنت محطما ..
ابتسم حالا ورد علي
= أنت اذا من ضحايا أم كلثوم..
هذا الرجل أكد لي براعته وإمكانياته في تقصي الاسرار المخفيه والتي تمكن من الوصول إليها قدمت له سكارة  فاخرة قائلا له
= تدخن..
تناولها من يدي وكادت تنكسر بضربة اصبعه ليضيف لي
= من من العراقيين من  لم يدخن..
تصورت انه سيستعجل بإشعال النار ليدخنها بل وجدته وضعها  خلف  أذنه ليقول لي بفرح
= سأدخنها بالليل..
شعرت بحالته التي دفعتني ان أضع أمام عينية العلبة بأكملها مرددا
= إنها لك...
كاد لا يصدق ان يرى هذا الكرم الذي اتصفت به فضحك ليخبرني
= السكائر هنا مفقودة من السوق..وبالأخص هذا النوع ..
وصلنا وبصعوبة صدقت هذه السيارة القديمة والمتعبه أن تحقق رغبتي  بالنزول أمام بيت داري في نفس اللحظة تذكرت والدي الحاج علوان ووقفته أمام دكانه الذي جاور محل سكناه لم يتغير اي شيء سوق شعبي قديم وأبواب بيوت اختلطت مع بيبان دكاكين انتشرت على امتداد البصر لم أقدر أن أسأل اي سؤال من هيئتي وحقيبة سفري اتجه نحوي رجلا كبير السن من الجهة المقابلة لي وعانقني وبدات دموعه تنهمرليقل لي
= أهلا بك أهلا بابن الغالي ..
بادلته العناق وأملي ان أتعرف عليه ،نظرت لوجهه وعرفته من دشداشته الملطخة بالسواد من جراء محله لبيع الفحم عانقته بحرارةلارد عليه
= يا مرحبا بأبي جواد...
تجمهرت الصبية بالقرب مني بينما حاول أن يعيدني لمحله وقد سمعته يردد
= انت اليوم ضيفي..
سألته بشوق
=  البيت مهجورا.. اليس كذلك
الوقت مر بعجل عندما دخلنا داره الذي يبعد عنا بضعة امتار عرفت انه هو الاخر وحيدا فقلت له
= انك وحيدا يا حاج..
قال لي بينما انفاسه بدات تتسارع قائلا
= أنا لست مثل أبيك يعشق النساء..
تذكرت آخر رسالة قراتها منه انه يبلغني بانه تزوج  فكانت مناسبة ان أسأله
= من كانت زوجته..
كانه أصيب بصعقة كهرباءوفهمت من حالته انه تعمد التهرب من هذا السؤال فقلت له لأفسح مجالا آخر للحديث
=دع الجواب الآن ..
رغم ثقل جسمه وبطء حركته لكنه جهز لي عشاءا فاخرا من المشويات وقدح الشاي على نار فحم هادئة حتى قلت له
= استرح يا حاج وابدأ بالحديث عن تاريخ جهلته،
لم يتبادر لوجهه بأنه مستعد للحديث بل سالني وفجاة
= لماذا عدت ياولدي ..كان الأولى بك أن تبقى..
تعجبت لسؤاله وملأتني حيرة فأجبته
= كيف وأنت تعرف ما تفعل الغربة..
قال لي وبعزيمة
= أنت هنا لا أحد لك..
جوابه قتل آخر لمسة أمل فكأنه أجاب عن سؤالي
= هل تزوجت..
تابع كلامه
= لقد تزوجت..وسقط بيتها على رأسها من جراء الحرب وماتت..
تاففت وأخذت شهيقا وانسابت الدمعات من عيني وقلت له
= ألم تنجب اطفالا..
أغلق كل الابواب في وجهي عندما قال لي
= لم يحالفها الحظ..
لفت انتباهي إلى أكوام الفحم والخشب ركنت بجوار الجدار فسألته
=ما قصة هذه..
قال لي وبألم
= إنها وصيةابيك..
تعجبت كثيرا وبادرني سؤالا لا غيره
= وصية أبي ..
فأعاد الكلام
= وصية أبيك .. أخبرني ان تأخذها وتشعلها عند قبره..
قفزت من مكاني قائلا
= أستغفر الله..وما السبب..
كأني حاصرته باسئلتي المتكررة حتى صاح بأعلى صوته
= إن زوجته الأخيرة هي حبيبتك هدية..
أكثر من أسبوع وأنا كل يوم آخذ الفحم والخشب وأشعله فوق قبر أبي الذي لم ينقطع لساني بشتمه ولعنه  وكنت أردد قائلا
= يا ليتني لم أعد ..
فأرفع يدي للسماء في اليوم الأخير لبقائي في بلدي المحروق المهدم
= يا ربي عفوك..لما قمت به...لكني أقول وأكرر
=  إنه يستحق..

..

عن محرر المقال

Unknown

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية