ظاء و ضاد .. انقلابيون لا مصلحون
بقلم / نداء مبارك
سابدأ مقالي بقصةٍ لرسام رسم لوحته وظن انها الاجمل، واراد ان يتحدى بها الجميع، فوضعها في مكان عام وكتب:(من رأى خللاً ولو بسيطاً فليضع اشارة حمراء فوقه)عاد في المساء ليجدها مغطاة بإشارات حمراء تدل على خلل هنا وهنا، لدرجة أن اللوحة الأصلية طُمست تماماً!
ذهب إلى معلمه وقرر ترك الرسم لشدة سوءه؛ ولكن المعلم نصحه برسم ذات اللوحة ووضعها في ذات المكان مع ألواناً وفرشاة وتغيير العبارة الى: (من رأى خللاً فليُمسك الفرشاة والقلم وليُصلِح) فلم يقترب أحد من اللوحة حتى المساء، وبقيت أياماً ولم يقترب أحد منها؛فقال له المعلم: كثيرون الذين يرون الخلل في كل شئ، ولكن المصلحون نادرون!
بدءاً علينا التمييز بين المُصلِح والصالح، فالصالح هو الانسان المستقيم النزيه الزاهد المتواضع نصير الفقراء..وهم كُثر بصرف النظر عن نواياهم والتي لا يعلمها الا الله، ولكن ليس بالضرورة ان يكون الصالح مُصلحاً، فالأخير لاينتقد ولا يهزأ ولا يسخر ولا يؤشر على الخطأ ويتركه، كما لوحة الرسام التي شوهِت وتُركت، فالمُصلِح شخص ايجابي، نجده يُنظم الفوضى اينما وِجدت، يُكمل النقص، لا يُسرف ولايبخل، يُصلح ذات البين، يُصلح العطل ، ويُقيم الامت والعوج.
ولو بحثنا عن مُصلحين في قرية او مدينة او دولة، سيتعذر علينا ايجادهم الاّ ماندر؛ فلنستضيء بآيٍ من القران الكريم "وما كان ربُك ليُهلك القرى بظلمٍ وأهلها مُصلِحون" فما هلكت قرية الا لخلوها من المُصلحين، فهذا العراق الذي تعافى بعد الاحتلال العثماني والبريطاني، وأقام أول دولة عراقية أسس لها الملك فيصل الاول بعد عام (١٩٢١) حيث عُرف برجاحة عقله ووطنيته ودبلوماسيته العالية واتزانه السياسي في الداخل والخارج، فقد نجح في بناء دولة مؤسسات وبرلمان ودستور؛ كما شهد العراق خلال حكمه تطوراً بكافة قطاعاته الاقتصادية والصناعية والمعمارية. معتمدا على نشاطه الزراعي كون العراق بلداً زراعياً، فاعتمد هذه الميزة في بناء وتطوير القطاعات المذكورة سابقا.
هنا وُجهت الاتهامات للنظام الملكي كونه يشجع الاقطاعيين! وهذا اجحاف بحق الدولة (لان الأقطاع وِجِدَ في زمن الدولة العثمانية) بل أتبع نظاماً متقدماً لاستثمار رؤوس اموال الميسورين من الناس، وتشغيل الالاف من الايدي العاملة، واستغلال الاراضي الزراعية بشكل متطور لم تتبعه الاّ الدول المتقدمة. وهنا نسأل وعلى ضوء ماوصلت اليه الزراعة منذ القضاء على الملكية ولحد يومنا هذا، هل ان قانون الاصلاح الزراعي الجديد القى بظلاله على القطاع الزراعي؟ ام اننا لم نحصد الاّ تمييزاً بين الفلاحين على اساس طائفي ومذهبي، واراضٍ قاحلة، وبطالة مستشرية، وتدني القطاع باكمله.
اما النظام السياسي للملكية فقد أُستهل بتشكيل نوري السعيد لوزارته، وهو المعروف بحنكته وشكيمته ووطنيته وحبه للعراق. كما نجح النظام في تحويل العراق الى دولة ذات كيان مستقل بعد ان كان خاضعا للدولة العثمانية، وتم الاعتراف به كدولة مستقلة رسمياً، ودخوله كعضو في عصبة الامم، كما اصبحت له علاقات اقتصادية مع دول العالم، واصبح لديه جيشاً قوياً يضاهي جيوش العالم، وشهد تطورا ملحوظاً في البناء والاعمار، حيث تم تأسيس ولاول مرة (مجلس الاعمار الملكي) الذي أسس لبُنى تحتية، ومشاريع استراتيجية لتطوير العاصمة بغداد وبقية المدن، ليست ضمن امكانية الزعيم كونه رجل عسكري وقد استفرد بالحكم لوحده ولكنه اكمل هذه المشاريع (الزعيم عبد الكريم قاسم).
مع كل هذا التقدم فان اي نظام لايخلو من الاخطاء والسلبيات، هنا ياتي دور المُصلِح لمعالجة هذه الاخطاء والحفاظ على باقي المنجزات، وليس نسف الدولة بانقلاب عسكري كما فعل (الزعيم) والذي اشتهر بكونه رجلاً صالحاً زاهداً متواضعا نصيراً للفقراء؛ ولكنه لم يكن رجلا مصلحاً، بل انقلابياً غيّر نظام الحكم الذي وضع العراق بمصاف الدول المتقدمة، ولم يكتف بذلك بل أمر بقتل العائلة المالكة بنسائها واطفالها، واذا لم يكن هو من أمر، فهو راضٍ بذلك لاننا لم نسمع باقامة محكمة للجناة!
انقلاب(الزعيم) قضى على المؤسسات الدستورية، دون التفكير بعدها بتأسيس أي برلمان بديل، او هيئة تمثيلية، وانما حكم البلاد بدكتاتورية و بالبدلة العسكرية! وانقلابه هذا كان ايذاناً لانقلابات آخرى، ولطغاة اخرين همهم الاستئثار بالسلطة، وتحقيق المزيد من المصالح، أودت بالبلاد الى الهاوية، ولم يكن في حساباتهم العراق و شعب العراق.
قُضي على "حكم الزعيم" بانقلاب نظمه البعثيون، ثم قتلوه وكان اقل مايتمناه هو اقامة محكمة للتحقيق معه، فهل حوكم نوري السعيد او الوصي عبد الاله او العائلة المالكة باطفالها ونسائها؟ والتي مسكت احداهن بالمصحف الشريف تتوسل للصفح عن الملك الصغير السن البريئ من كل جرم، فكان مصير الزعيم قعر نهر دجلة، كما كانت مستقراً لجثث جميع افراد العائلة الملكية باطفالها ونسائها؛ كما قٰتل الوصي عبدالإله(وسُحلت) جثته في شوارع بغداد ثم علقت على عمود كهرباء، كما ؟(سُحلت) جثة نوري السعيد من قبل! فكان الحدث سُنة سيئة اخرى في نشر ثقافة "السحل" والتمثيل في العراق!
وللختام مسك : ماذا لو استمر الحكم الملكي في العراق كما هو الان في الاردن، البلد الذي يُشار له بالبنان في استقراره وتطوره المستمر ورقي شعبه، مع الندرة الشديدة للثروات وقلة الاراضي الزراعية والثروات المائيّة؟
ماذا لو لم ينقلب "الزعيم" وبحيرة النفط التي يطفو عليها العراق ووفرة ثرواته المعدنية واراضيه الشاسعة الخصبة، ونهرين خالدين، الم يكن العراق الان يُنافس اليابان في التقدم والرقي!؟
العراق / بابل
