في مهجةِ يتيمٍ .... ترنيمةُ نورٍ ..بقلم /مرام عطية
____________________
رماهُ الزَّمنُ على أبوابِ الفقدِِ مع شقيقاتهِ الثَّلاثِ بدمٍ باردٍ وقلبٍ بازلتيٍّ ، سلبهُ حضنَ الحنانِ ، واحتلَّ مغاني الطُّفولةِ
الخضراءِ ، كأنَّ ربيعَهُ الثَّاني عشر فضفاضٌ على شقائهِ ؛ زرعه الحزنُ نبتةً يابسةً في مفازةِ إنسانيةٍ تسحقُها نعالُ المتغطرسينَ والجشعينَ على صفافِ مدينتهِ ، ويناكدُها نسيمُ الفرحِ ، يركضُ وراءَ سوسنةِ لهفةٍ أو همسةِ أمومةٍ مسروقةٍ لعلَّها تشفي جراحهُ ، يفتشُ جاهداِ عن نسيمٍ وجهٍ يعيدُ له بعض كنوزِ مملكتهِ الضَّائعةِ ، عبثاً يكشِّرُ الزمنُ المشؤومُ يدعوهُ ليشربَ ماءَ الذلِ ، ويفطرَ خبزَ الإهانةِ ؛ ينقشهُ بوشمِ التَّسولِ مع أشقائهِ ، هل رأيتَ ظلماً أقسى من هذا اليتمِ ؟!
طفلٌ يتيمٌ يشربُ ملوحةَ العيشِ بمرارةٍ ، ويأكل فطيرةَ الصبرِ بحسرةٍ ، يتمرَّدَ على امبرطوريةِ الظلمِ ، وينشدُ ترنيمةً من نورٍ تعلِّقُها تعويذةً على صدرها الْحَيَاةُ ، : ابتعدْ عني أيها الجاثمُ على صدري كجبلٍ ، اعبرْ سريعاً
أيها الحزنُ لَملمْ بقاياكَ من صدري ، احملْ أطنانَ الحديدِ ، وابتعدْ ، لاتمشِ بطيئا ، دعْ السَّلاحفَ تترنحْ على الدُّوربِ الهينةِ فلن يدنو منها جوادٌ ، التحفْ ظلامكَ في الصقيعِ ، و على كانونِ الأوهامِ اصلِ انهزامكَ فَوْقَ مشجبِ الشتاءِ ، في زوايا الجهلِ انكفئ على تجاعيدِ ظنونكَ ، ونمْ طويلاً بعيداً عن أقاليم جسدي القاسيةِ و مناخاتِها الجبليةِ ، فسريري أشواكٌ وعوسجٌ ، و وسادتي شمسيةٌ لاتناسبكَ أيُّها القادمُ من البلادِ القطبيةِ ، دعْ صباحاتي الملونةَ بخيوطِ الضياءِ ، و أناشيدِ الكنارِي والعصافيرِ ، لا لنْ أدعكَ تتمدَّدُ في خلايا دمي النَّقيَّةِ أو تغافلني الارتشاحَِ إلى خلجاني والعبثَ بلآلئي المكنونةِ و مرجاني ، فهلْ تدري ؟! صعبٌ عليك هذا، نَضَارتي عتيدةٌ ورثتها عن خمائلِ أمِّي الوارفةِ ، وصبري نايُ موَّالٍ طويلٍ منحني إياهُ أبي الكادحُ في معارجِ الحياةِ ، تحاربكَ آلافُ الجيناتِ العاشقةُ للحياةِ في دمي ، يتحدُّ نخلُ صمودي وسنديانُ جذوري ،
وتصطفُ ألافُ السَّرواتِ الشامخةُ من سهولِ أجدادي
أمام جحافلكَ ، في مساماتي جنودُ الجمالِ تتبارى ، وفي شراييني ملائكةٌ الطفولةِ ترتِّلُ ، فكيفَ ستسرقُ حقيبةَ أفراحي ، و سلسلَ ابتساماتي الذي ذخرتهُ للزَّمنِ القاسي ؟!
لحمي مرّ لن يطيبَ لكَ أيُّها الوحشُ القاتلُ ، أيُّها المارُّ الغريبُ ، خذْ متاعك الرديئةَ ، وارحلْ بعيدا عن أرضي وموطني ، وإلاّد سنبقى في عراكٍ دائمٍ ، و سأصرعكَ أيُّها الحزنُ ، درعي إيمانٌ ، في خوابي قلبي زيتُ الرَّجاءِ و الأمل ، وعلى أغصانِ ساعدي عناقيدُ العزيمةِ تنضجُ .
----------
