(( إمــــــــــام بالعافية )) ؟؟؟!! ..!بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونة )
قصة قصيرة
===================
( النص هو من تلك النصوص التي يطلق عليها الـ" فانتازيا " ... أو " الكوميديا السوداء " )
( النص ليس له أي علاقة بالسياسة أو الساسة اللهم إلا إذا رأى القارئ غير ذلك ؟؟؟!!! )
تنويه هام :
... إذا انطبقت الأوصاف والأحداث الواردة في النص على شخصية ما .. فهذا ليس سوى من قبيل الصدفة البحتة ... ومجرد مصادفة غير مقصودة ؟؟؟!!! .
( الكاتب )
----------------------------------
(( إمــــــــــام بالعافية )) ؟؟؟!!!
.. إلى رحمة الله تعالى .. انتقل الأب إلى الرفيق الأعلى .. ترك ميراثاً لا بأس به .. يصل إلى عدد أصابع اليد من الملايين بالعملة الأمريكية .. وقد تصل إلى مجموع عدد أصابع كلتا اليدين .
أحد الأبناء من الورثة ( ولعله كبيرهم ) طرأت إلى ذهنه فكرة ما .. سرعان ما كان يقوم بتنفيذها .
كان حفل الافتتاح مهولاً .. أَمَ الحفل العديد من رجالات الحيّ والأحياء المجاورة .. من شباب وشيوخ وفتية .. ممن قام بدعوتهم للحضور ببطاقات حضور أنيقة باهظة الثمن .
قام بذبح أكثر من عجل سمين ثم قام بتوزيع اللحوم على الفقراء والمحتاجين .. ( الأصحاب والأحباب ) ؟؟!!.. ووزع الحلوى والمشروبات الغازية على الجميع ..
وجد حشداً كبيراً من القوم قد تراصوا في صفوف منظمة لتأدية الصلاة وذلك عندما حان موعد الصلاة .. في المسجد الذي تبرع ببنائه وافتتاحه .
خطرت له فكرة أن يكون ( الإمام ) في المصلين .. فراقت له الفكرة .. وسرعان ما كان يقوم بتنفيذها على الفور ..
بعد أن صلى ( إماماً ) في الجماعة .. وبعد أن قام بالتسليم .. تدارك بأنه لم يكن على وضوء ؟؟!! .. لم يدرِ كيفية التصرف في مثل هذه الحالة .. فآثر الصمت .. تكتم الأمر خشية افتضاح أمره !! .
راقت له فكرة ( الإمامة ) في المصلين خاصة وأن المسجد مسجده ؟؟!! .. وهو من قام بالبناء وعلى نفقته الخاصة .. فحقت له الإمامة ؟؟!! ... هكذا أقنع نفسه بهذا المنطق الغريب !!! .
استهوته الأمور بشكل أكبر .. قرر أن يطلق لحيته وأن يطيلها بقدرما يستطيع .. ولم يلبث أن أدرك بأنه وإتماماً لمواصفات الإمامة .. وجب عليه أن يرتدي على رأسه " طاقية " أو " كوفية " .. فاختار الأولى ..
استكمالاً لـ " البرستيج " كان لا بد وأن يقوم بخلع ملابسه الإفرنجية واستبدالها بـ " الجلابية " ولا بأس أن تكون قصيرة بعض الشيء تيمناً بالصحابة رضوان الله عليهم .
خلع الحذاء ووضع في قدميه " الشبشب " المتواضع الذي يدل على الزهد والتواضع .
وضع في جيبه " السواك " ووضع في يده " المسبحة المضيئة " والتي هي من الكهرمان المضيء كي تجلب الانتباه .. وتلفت النظر إليها في يده وهو يحوقل ويعذبل .
عندما اكتمل " البرستيج " الجديد .. وعندما اكتملت هيئته الجديدة في القالب الجديد .. خطر بباله بأن الصورة لن تكتمل إلا بعد أن يصبح " خطيباً " للمصلين .. كيف لا والمسجد مسجده .. وهو الذي قام ببنائه وعلى حسابه الخاص ؟؟!! .
اختار يوم الجمعة لكي يشنف الأسماع ويشنف الآذان بخطبة الجمعة .. طلب من أحدهم أن يعد له الخطبة لصلاة الجمعة .. وطلب أن تكون بمواصفات معينة .. وشكل معين .. وأنقده أجر صياغته الخطبة ( دراهم معدودة ) !! .
أمضى الليل بطوله وهو يسترجع كلمات الخطبة .. استعان بأبنائه وبناته وزوجته لمساعدته في المراجعة .. وتصحيح بعض الأخطاء وطريقة النطق .
.. في النهاية .. جمع الأبناء والزوجة .. اعتلى مقعد مرتفع بعض الشيء .. وراح يلقي الخطبة العصماء على مسامعهم .. وكأنه يقوم بـ " بروفة " الخطبة التي سوف يلقيها على مسامع المصلين ظهيرة اليوم التالي في صلاة الجمعة .
سعد كثيراً بعد أن صفق له الجميع ؟؟!! وسعدوا جميعاً بأن أنقدهم في النهاية بعضاً من ( الدراهم المعدودة ) !! .
في اليوم التالي .. وقبيل الظهر .. كان يسير متبختراً مزهواً .. وقد ارتدى الملابس الجديدة التي تليق بمقامه الرفيع كـ " إمام " و " خطيب " .
لم ينس أن يتعطر بعطر غريب الرائحة تكاد رائحته تزكم الأنوف ..
راح طيلة الطريق يصلح من هيئته وهندامه بحركات مستمرة مفتعلة .. فيصلح ياقته تارة .. ويعدل " الطاقية " على رأسه تارة أخرى .. ويسوي هندامه مرة ثالثة .
يخرج " السواك " من جيبه .. يمرره على أسنانه بشكل غريب .. يقوم بالمرور المتوالي على حبات " المسبحة الكهرمانية " وهو يتمتم بكلماته المتلاحقة .. يلقي بالتحية على هذا .. ويلقي بالسلام على ذاك والابتسامة على ثالث .. و .. و ..
كان الوقت لا يزال مبكراً بعض الشيء عندما دخل المسجد .. توجه مباشرة ناحية المنبر .. جلس على مقعد وثير .. ولم يصل ركعتي تحية المسجد خشية أن يسابقه أحد بالجلوس على المقعد .. أو انتزاع " الإمامة " و " الخطبة " منه ؟؟!!.
أخرج الأوراق التي كُتبت عليها الخطبة .. راح يراجع ما فيها من كلمات وعبارات .. ويعيد القراءة والمراجعة بشكل متواصل .
وقف المؤذن ليرفع الأذان لصلاة الجمعة .. وما كاد ينهي الأذان .. حتى كان الرجل ينهض من مكانه بسرعة .. وراح يرتقي درجات المنبر الخشبية .. أخرج الأوراق من جيبه .. لكي يبدأ بإلقاء الخطبة العصماء التي أعدها على مسامع المصلين .
تنحنح عدة مرات .. ابتسم للجميع ... حياهم بتحية من يده التي ما زالت تقبض على " المسبحة الكهرمانية " .. حاول أن يجعل صوته " يخشوشن " بعض الشيء .. ثم بدأ الخطبة ..
لم يتدارك بأنه لم يلقِ بتحية الإسلام على جموع المصلين .. فلقد اكتفى بالابتسامة الصفراء .. والتلويح باليد .. إذ يبدو بأنه كان متلهفاً لإلقاء الخطبة على مسامعهم .
هدر .. زمجر .. صخب .. طوح بيديه ذات اليمين وذات الشمال بحركات إيقاعية نشاز .. تدرب عليها طيلة الليلة الماضية والأيام السابقة .. لكي تتناغم مع الكلمات والعبارات .
حذر وبشدة من العواقب الوخيمة لقاطع صلة الرحم , توعده الويل والثبور وعواقب الأمور .. واستشهد بآيات وأحاديث محطماً قواعد اللغة وأساليب الخطابة وأشكال التلاوة والقراءة الصحيحة .
تأثر الرجل بموضوع الخطبة .. تفاعل واندمج .. اهتز وارتعش ..
انفعل الرجل بشكل غريب .. بعد أن تقمص دور الخطيب بشكل عجيب .. انفعل .. تقلصت عضلاته .. تحشرج صوته .. تصاعد زفيره وشهيقه .. تشنج .. أرغى وأزبد .. ولم يلبث أن ..
ولم يلبث أن تهاوى من فوق المنبر .. تدحرج عن درجات السلم الخشبية .. سقط على الأرض .. اندفع الجميع نحوه يستطلعون الأمر .. تمتم أحدهم :
- لقد مات الرجل !!
.. عندما تم تغسيله وتكفينه .. استعداداً للدفن .. بدأ حشد المودعين من الأهل والأصدقاء بالمرور من أمام جسده المسجى أمامهم .
بعد أن أنهى الرجال عملية الوداع الأخير للميت .. بدأت جموع النسوة بالمرور لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على المتوفى .
زوجته .. بناته .. حتى وصلت أخواته وعماته .. وقفن طويلاً أمام الجسد المسجى ..
هتفت إحداهن بما يشبه الهمس :
- يبدو بأنه ليس أخي ؟؟!!
ردت أخرى بصوت متحشرج :
- يبدو ذلك بالفعل .. فهو لا يشبهه بالمطلق !!
تمتمت ثالثة بصوت مختنق :
- لا .. بل هو .. ولكن الأمر اختلط علينا جميعاً .. لأننا لم نره منذ سنوات طويلة .. وذلك بعد أن حرمنا تماماً من الميراث .. وبعد أن قاطعنا وبشكل نهائي ؟؟!!.
( انتهى النص .. وما زال لغط النساء المزمجرات يرتفع من حول الجسد المسجى ) ؟؟!!
