وما حيلة المضطر إلا ركوبها
بقلم / أ. عز الدين المانع
توجهت قبل أيام إلى واحدة من الدوائر الخدمية لإنجاز معاملة ( روتينية ) كان لا يستغرق إنجازها فيما مضى أكثر من ساعة واحدة وبدون أية تعقيدات أو إشكالات .. وإذا بي أغوص في مأزق ما كنت أتوقعه مطلقا .. ورحت أدور في دوامة مبهمة وحلقات مفرغة بين دهاليز هذه الدائرة وأروقتها المعتمة ومنافذها الموصدة التي كان يحتشد أمام كل منها طابور مديد من المراجعين ..
وبعد جهد جهيد ومشقة وانتظار ممل بين هذه الحشود المرهقة , صرت ( وجها لوجه ) أمام موظف متجهم قابع خلف طاولته المثقلة بالمعاملات ( المتثائبة ) .. فأشار لي بالخروج والانتظار لحين ( دراسة وتدقيق ) المعاملة وعرضها أمام ( المدير ) لبيان الرأي .. وأوحى لي ب ( همهمات ) كنت أجهل سرها وترجمتها .. ولم أدرك في بداية الأمر ما كان يعنيه , وما سر هذه ( الهمهمات ) المبهمة .. ولأني حسن النية دائما , تجاوزت حدود غرفته , واقتحمت الحواجز والموانع في محاولة للوصول إلى مكتب رئيس الدائرة لأشكو حالي وحال الآخرين المنتظرين في الممرات التي كانت تخلو من أية أريكة أو كرسي للجلوس .. وإذا بباب المسؤول موصد بوجهي , ومدير مكتبه راح يؤكد لي أنه في مهمة خارج حدود بغداد , وقد تطول , ولا مجال لديه ( للمقابلات ) ..
عدت إلى ذلك الموظف الذي استقرت على طاولته معاملتي مع المعاملات الجاثمة أمامه بلا حراك .. ورجوته بكل هدوء ولطف ليوضح لي ما يريد ( بالعربي الفصيح ) ويترجم لي سر تلك ( الهمهمة ) التي لم أفهم فحواها ( إلا بعد حين ) .. وكان لي ما أردت .. فرفعت ( الراية البيضاء ) واستسلمت لتقديم ما طلبه بصراحة لقاء إنجاز المعاملة , وأنا الراصد والناقد والرافض دوما لمثل هذه الأساليب المرفوضة وغير المشروعة طوال انتمائي لمهنتي الصحفية على مدى أكثر من أربعة عقود ..
وهكذا أنجز معاملتي بعد ما تسلم هذا القابع خلف طاولته ( العمولة ) التي حددها وسماها ( إكرامية ) .. تحت شعار ( وما حيلة المضطر إلا ركوبها ) ..
إنها بعض إفرازات هذا الزمن القبيح على أية حال , ومحنة الإنسان العراقي الذي لا حول ولا قوة له أمام جبروت هذا الطفح الفاسد فوق سطح الحياة الجديدة .. وإنا لله وإنا إليه راجعون .
