-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

زمـــــن الضـــــياع ؟! قصة قصيرة بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونه )

زمـــــن الضـــــياع ؟!
قصة قصيرة
بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونه )
***********************
مقدمة لا بد منها :
في ظل حصار لعين .. وبطالة مستشرية .. وفقر مدقع ..
.. في زمن اختلطت فيه الألوان .. وسادت فيه ( الفوضى اللاخلاقة ) ...
وأتي ( الخريف العربي ) المزعوم على كل أخضر ويابس ...
لا بد وأن يكون الحال على هذا المنوال .
إهداء خاص :
لكل من باع بندقيته .. من أجل لقمة عياله ولقمته .. ولم يبع قضيته .
تنويه :
الكاتب لا يقصد بالمطلق أي بعد سياسي من خلال نصه .. خاصة في مثل هذه الظروف الآنية .. اللهم إلا إذا كان للقارئ المتلقي رأياً غير ذلك ؟؟؟!!!
( الكاتب )
------------------------------------------------------
(( زمـــــن الضـــــياع ؟! ))
تربطني به نوعٌ من الصداقة .. نوع من " الجيرة " .. نوع من القرابة .. أعرفه منذ عشرات السنين .. دعوني أقدمه لكم .. ليتحدث بنفسه عن نفسه .. ودعوني أكون مستمعاً لما يقول .. مثلكم تماماً ..
" لماذا تضعني سيدي في هذا المأزق ؟؟!! ..كنت قد اتفقت معك على أن تسرد قصتي بنفسك .. أن تقولها أنت لا أنا .. وها أنا أراك تضعني في موقف حرج .. فأنا لم أتعود الكتابة مثلك … ولا أملك الأساليب والأدوات الفنية والأدبية واللغوية لفن الكتابة مثلك.. فأنا لم أجرب الكتابة يوماً ما .. أنت تعلم بأنني رجل عمل .. وليس برجل علم .. وليس بحامل لقلم .. طيلة حياتي أحمل المعول وأدوات العمل الأخرى في النهار .. وبندقيتي في الليل .. " أوه " ماذا قلت ؟؟!! لقد جعلتني أفشي سراً لم أقصد البوح به أو الإفصاح عنه .. فانزلق لساني بالسر الذي احتفظت به عشرات السنين .. ألم أقل لك يا سيدي ومنذ البداية بأنني رجل لا يجيد فن الكتابة ؟؟! .
سنوات طوال وأنا أكافح من أجل لقمة العيش طيلة النهار وجزءاً من الليل … وهي نفس السنوات التي كنت أكافح فيها باقي الليل من أجل حرية وطني .. برفقة بندقيتي .. ولست أدري كيف وجدت متسعاً من الوقت بين هذا وذاك لإنجاب نصف دستة من الأطفال .. ثلاثة من الذكور ومثلهم من الإناث ..
لن أطيل عليكم كثيراً أيها السادة .. فأرجو منحي بعض الوقت .. وهل عدة دقائق كثيرة على رجل ضحى بكل وقته من أجل أسرته ومن أجل وطنه ؟؟!! .. فلا تضنوا علي ّبالدقائق البسيطة .
كان الدخل المادي عندي – في النهار- من الأعمال المتنوعة التي كنت أقوم بها – كعامل .. كان دخلاً جيداً .. بل ممتازاً .. ليس مادياً فحسب .. بل هو نوع من التمهيد للعمل الوطني الليلي ..
لم أبخل على زوجتي وأطفالي بكل ما يطلبونه وكل ما لا يطلبونه .. فعاشوا حياة البذخ .. والتي تقارب حد الإسراف في كثير من الأحيان ..
.. وكانت البطالة .. وكان الكساد .. وكان الحصار .. سنوات طويلة وأنا أتحمل .. بل أتحامل على نفسي .. طلبات الصغار تزداد .. متطلبات الحياة تكثر .. " روشتات " الأطباء تطول وتطول لزوجتي المريضة والتي أصيبت بالمرض العضال اللعين .. قائمة طلبات الأطفال لا تنتهي .. هم لا يحسون ولا يريدون أن يشعروا بتغير الأمور .. والتي آلت إلى ما آلت إليه .. فمثل هذه الأمور لا تعنيهم كثيراً .
قمت بالبحث عن عمل – أي عمل – كي أحصل على ما يسد رمق الأسرة ولو بالنزر اليسير .. فوجدت ؟؟!! .. وجدت فرصة عمل " بطالة " لمدة عشرين يوماً ؟؟!! .. و " كوبونة " صدقة أو لعلها زكاة!!.. " شوال " من النوع الرديء من الدقيق انتهى تاريخ صلاحيته .. وبعض الكميات المتواضعة من الأزر والسكر والعدس من النوع الذي يحمل الدرجة السابعة أو لعلها العاشرة من حيث الجودة ؟؟!!.. وماذا عسى هذا أو ذاك أن يفعل مع أفواه أرانب .. ومتطلبات حياة أساسية؟؟!!.
قمت بإنفاق كل ما ادخرته من أموال على الأطفال .. وعلى زوجتي المريضة .. الطاحونة لم تتوقف .. المتطلبات والطلبات لا تنتهي .. استدنت من الأهل والأقارب والأصدقاء .. فقدموا لي عن طيب خاطر ما أريد في البداية .. ثم توقفوا عن ذلك في النهاية .. لأن حالتهم أصبحت تشبه حالتي .. فكلنا في الحالة وفي الهم سواء .. بل وطالبوني بما عليّ من ديون متراكمة ..
قررت أن أحل مشكلتي بشكل آخر .. قمت ببيع أثاث منزلي .. قطعة قطعة .. لسداد الديون ولسد احتياجات الأسرة وعلاجات الزوجة المريضة .. كل أثاث منزلي تم بيعه ولم يكفِ لتغطية الديون .. حجرة النوم .. حجرة الجلوس .. التلفاز .. الثلاجة .. الغسالة .. أدوات المطبخ .. ملابسي القديمة .. فراشي وفراش الأطفال ، ولم يتبق لنا من شيء مطلقاً … تماماً كما قمت ببيع أدوات العمل المختلفة التي كنت أحتفظ بها ؟!.
وطأة المرض تشتد على زوجتي المريضة .. طلبات الصغار تزداد .. فماذا عليّ أن أفعل والحال كذلك ؟؟!! ولم يتبق سوى أن أقوم ببيع … أوه .. لا .. من المستحيل أن أقوم ببيعها ؟! .. فهي حياتي .. رمز عزيز وغالٍ عليّ .. ما ورثته عن أبي .. ما أفكر أن أورثه لابني الأكبر .. مستحيل أن أقوم ببيعها ؟؟!! .. أهون عليّ أن أموت عدة مرات من أقوم بذلك لمرة واحدة ..
سيدي .. أرجوك .. أنا لا أستطيع أن أكمل .. أرجوك .. أرجوك يا سيدي أن تكمل عني .. فالدموع تغالبني .. والشجن يقتلني .. والألم يعتصرني .. أرجوك يا سيدي " ..
لم يستطع صديقي .. جاري.. قريبي أن يكمل لشدة تأثره وانفعاله .. فاسمحوا لي أيها السادة أن أكمل .. فهل تأذنون ؟؟..
في النهاية لم يجد بداً من التضحية .. أن يقوم ببيع .. أوه .. يا لها من تركة ثقيلة تلك التي أوكلها لي صاحبي هذا .. سأجمع شجاعتي ..سأستعيد رباطة جأشي وأطلعكم على الأمر الجسيم .. لقد قرر في النهاية أن يقوم ببيع الـ .. الـ " البندقية " .. نعم .. بندقيته التي كانت تمثل له رمز الوطنية والفداء .. والتي صالت وجالت كثيراً معه في مقارعة الأعداء .. والتي واكبت صباه وشبابه ورجولته .. نعم .. قام ببيع البندقية لتغطية المصاريف المتعددة .. والمتطلبات الكثيرة …
يومها رأيت الرجل يبكي .. كالأطفال الصغار . ينتحب .. يلطم خديه .. يولول .. كالنساء .. بلل البندقية بالدموع قبل أن يسلمها للمشتري .. تمرغ على الأرض .. حثا على رأسه التراب … تشنج .. أغمى عليه .. تطلب إعادته من الإغماءة نقله إلى المستشفى لساعات وساعات ..
حاول البعض أن يهدئ من روعه .. أخذ يستحضر كل أساليب الإقناع معه .. راح يفهمه بأن قانون البندقية والمقاومة .. كان مرحلة ؟؟!! مرحلة وانتهت ؟؟!! .. وأن احتفاظه بالبندقية ضرباً من ضروب الخبل والجنون .. ومسألة عبثية محضة ؟؟!! … عندها ضرب الرجل رأسه في أقرب جدار عدة مرات .. فشج رأسه وجدع أنفه وانسابت الدماء غزيرة منهما .. على الأرض .. على صدره .. على بندقيته .
أخيراً .. كادت الإجازة الصيفية أن تنتهي .. واقترب موعد استقبال المدارس لروادها من الطلاب والتلاميذ .. واقترب موعد الزائر السنوي الكريم .. شهر الصيام .. وما يليه ...
وما أدراك من معنى أن يقبل الشهر الكريم .. وأن يقترب موعد فتح أبواب المدارس ؟؟ فقائمة الطلبات التي لا تنتهي غطت على كل الأمور .. فهذا الطفل يريد الزي المدرسي الجديد .. والحقيبة الفاخرة .. والحذاء الجيد .. والبقية من الذكور تطلب نفس الشيء .. وتزيد عليه أشياءً أخرى .. أما طلبات الإناث فحدث ولا حرج .. فقائمة طويلة من الطلبات التي لا تنتهي .. ذلك للمدرسة .. أما للشهر الكريم وما يتبعه من عيد .. فقائمة أطول وأعرض ؟؟!! .. أما الزوجة الطيبة .. فلا تطلب إلا الستر والشفاء من الله .. وتصريح بالسفر للعلاج بالخارج ؟؟!! .. وهي لو طلبت السفر للقمر لكان أهون وأيسر .. والرجل في حيرة من أمره .. ولا يدري من أين يوفر كل هذه الطلبات .. فلم يتبق لديه أي شيء ذو أهمية ليبيعه .. ولكن الأطفال لا يدركون حجم المعاناة .. وعظم المسؤولية .. وجسامة الموقف .
أخيراً .. وبعد أرق دام لعدة ليال قضاها متقلباً في الفراش .. وفي صبيحة ذلك اليوم .. انفرجت أساريره .. وظهرت ابتسامة شاحبة على محياه لأول مرة منذ زمن بعيد .. وكأنه قد توصل إلى الحل السحري لكل مشاكله ..
اندفع نحو مقر " الجريدة اليومية " .. بعد أن قام بسؤال أصحاب المحلات والسابلة عن موقعه .. استقبله موظف الاستقبال يسأله عن حاجته .. أعلمه بأنه يريد مقابلة رئيس التحرير شخصياً لأمر هام .. تردد الموظف بعض الشيء .. اتصل بالرئيس .. يعلمه بأن شخصاً يريد مقابلته للأهمية القصوى .. أعطي الرئيس الإذن بدخول الرجل .. دخل الرجل الحجرة الأنيقة بسرعة .. اندفع ناحية الرئيس ... قال له بكلمات سريعة متلاحقة ..
- أريد أن أضع إعلانا في الجريدة ..
- لا مانع من ذلك .
- أكتب يا سيدي .. ولا تنس أن تكون الكتابة بالبنط العريض .. والمانشيت الضخم ..
وفي الصفحة الأولى ..
أكتب يا سيدي ...
" نصف دستة من الأطفال .. للبيع " ؟؟؟؟!!!!

عن محرر المقال

Unknown

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية