-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

لــــغـــة البـــحــــر.. بقلم / محمد الجلايدي / المغرب

قصة قصيرة :

                                                           - لــــغـــة البـــحــــر.. بقلم / محمد الجلايدي / المغرب 

                                      

  إذا اكتشف سِرّا فضحه.وإن حال حائل بينه وبين الفضح يُصاب بالصداع في الرأس.أما إذا لم يجد سِرّا ليذيعه ويفشيه،يقتفي أثره،كعالم الحفريات!! أعرف أنه أول من يستيقظ وآخر من ينام.وأتعامل معه بالقول المأثور: من عرفته ليس كمن تجهله.ولأني أعرفه حق المعرفة ،تهت به في الخضم الأزرق، وأنا بين نشوة القول وعزف الإيقاع السمفوني المنبعث من توالي اندفاع المويجات على الشاطئ :  
-هي أنيس وحدتي.هي شبابتي التي أعزف بها ألحان الحياة.فتنساب ألحاني عذبة شجية ،كشلالات تسحر العقل وتأسر الوجدان.نصفها العلوي مرهف وشديد الحساسية.ونصفها السفلي صلب وشديدالعناد.هي حوريتي.وسِر أسراري.لها أفضي بمكنونات فؤادي.وإليها أبوح بلوعاتي وأحزاني وأفراحي ومسراتي.تمتلك حسا مرهفا يلتقط وقع الندى على محيا الورد.وإذا رقصتُ تساير إيقاع رقصي برشاقة..
   أوقف تداعيات قولي،ليسأل :
-ومن تكون هذه السعيدة بك وبِوَلَهك ؟!
ولأستمر قليلا في التمكن منه زدت في التيهان :
-هي امرأة وليست امرأة.هي كحورية البحر التي أحاطتها الأساطير بهالة وجودية.هي صلتي بالكون،وطلاسم أسئلته،التي تبعث في(الحقيقة)مشاق (الرحيل ) إليها،ك(معنى).فهل عرفتها؟
-لا لم أعرفها.
-ولن تعرفها.
ثم أضفت:
-لأنك تجهل لغة البحر.
ولـمّا شدّ رأسه،أدركت أن الرج بدأ.فقلت لطفا به وبالصندوق الذي يعلو كتفيه:
-لا تذهب بعيدا،فهي أمامك.
  استغرب وهو يمسح الشاطئ الوحشي بعينيه روحة وجيئة.ثم أضفت لأرده إلى مكان الجلسة:
-القصبة.
  عاد الهدوء إلى رأسه ،فحملته ورأسه إلى ما يطيب له :
-و ما الجديد في عوالمك ؟
  قال متحمسا :
-عائشة.
-ما بها ؟
-ضبطتها مُتلبِّسة.
-وبماذا تلبَّستْ؟
-جاءها العشيق فرمقتني وهي تفتح له باب منزلها.بعد وقت وجيز لحقتْ بي ومدَّتْ لي مالاً،وطلبتْ مني ألا أكشف المستور.استحلفتني أقسمت على الكتاب.لكن رأسي كاد أن ينفجر من شدة الصداع.صبرت وحاولت أن أغالب الألم .ولمـّا وصل بي إلى حدِّه الذي لايُطاق،لففت رأسي بقطع الليمون وشددتها عليه بمنديل،ثم ذهبت إليها قبيل الفجر طرقت بابها وسلَّمتها مالها،واعتذرت.وعلى الفور هرولتُ قاصدا حارس العمارة لأبدأ به في نشر الخبر.لحظتها شرع الدق في رأسي يغادر وخف ألم الصداع.
-والقَسَم؟!
-أمري لله،سأصوم ثلاثة أيام.
-لقد غمزتني،وقالت:هيت لك.
-من؟!عائشة؟!
-لا،القصبة.
  جذبتها برفق،ثم شرعت في لَمِّ الخيط بواسطة الجمّاع.كانت السمكة تتلوى داخل القعر وأنا أرقص.لم يفهم  باعث رقصي،فقلت:
-هاهي.
التفت يمنة ويسرة،ولمـّا مسح الشاطئ الوحشي بعينيه مرة أخرى،ولم ير شيئا سأل:
-ومن هي؟!
ضحكت وأنا أطمئنه:
-سمكة.
ثم أضفت:
-هل يمكنك أن تخمن أي نوع هذه السمكة؟
-وكيف لي أن أعرف؟!
-إذا تعلمت لغة البحر.
كانت السمكة من صنف أسماك ذئب البحر.استهواها العوم مع أمواج الشاطئ بحثا عن طعم حي.وهذه المنطقة،بهذا الشاطئ الوحشي تكثر فيه هذه الفصيلة من السمك.ومن جديد،تهت ب(الرفيق)في الخضم الأزرق،وأنا بين نشوة القول وعزف الإيقاع السمفوني للموج :
-إذا كنت مولعا بالصيد ولا ترضى لنفسك أن تأكل الجيف من السمك المصاد بالأشباك،وتعشق الصيد النظيف في هذا الإنتشار الأزرق؛ فإن القصبة تصير كل عالمك.إليها تنشَد،وبها تتحد.وعُدّتُك إذا كنت صيادا : قصبة مثل هذه.قفة كهذه.والطعم حسب نوع السمك الذي تشتهيه.وخيط الإستبدال إذاكنت تصيد في قعر صخري.إضافة إلى صنارات مختلفة الأنواع والأحجام.وإياك أن تنسى أكلك والماء.وهاأنذا نسيت اليوم قارورة الماء.وعلى ذكر الماء الذي نسيته ،ابتسم ليخبرني بأنه نسي هو أيضا عُدته:
-سكين وليمونة ومندليل لشد الرأس؟!
قلت له قبل أن يستعرض هذه العناصر الحيوية في حياته ،فضحك ولم يخجل !! ومن أين يأتيه الخجل؟! قلت في نفسي.
وأضفت:
-فمن يصنعون العداوة وأسبابُها غائبة لأنها منعدمة،لايخجلون.ومثلهم كمثل الذين لا رموش لهم وعلى وجوههم لوحات معدنية.اللهم نج الخلق منهم ومن سمهم الزعاف.
   تركته يلاحق حركاتي كما لو احتل ظلي،وشرعت أنْشُد هجائية المتنبي في كافور،ثم رثائية أبي فراس التي فاه بها لما أدركه الموت بطعنة ابن أخته أبي المعالي..
وعن الماء الذي نسيته،اقترح أن يطلبه من خيمة منصوبة خلفنا.رفضتُ اقتراحه،وعللت ذلك بأن الخيمة مغلقة،ولا نعرف هل بها أحد أم لا أحد بها.لكنه سرعان ما نطق صائحا كمن وجد شيئا ضاع منه في غفلة من أمره:
-أنظر.
-إلى ماذا ؟
-إلى الخيمة.
-ما بها؟
-لقد فُتحت وخرج منها ملتحٍ وامرأة تلتحف خمارا أسود اللون.
-لن أنظر .
-ألا تريد الماء؟
-لا أريد الماء.أريد أن أفكر.
-فيما ذا تريد أن تفكر؟!
-في سياق وضعهما لا فيهما.وفي هذا السؤال تحديدا:(هل يعبد الإنسان ربه في البحر،أم يعبد البحر في ربه أم لا يعبد ربه ولا البحر ؟ ).
-لم أفهم.
-ولن تفهم إلا أذا تعلمت لغة البحر.
ولأحمله إلى وجع الرأس،قلت له:
-ألا تكون المرأة الملتحفة هي عائشة التي ضبطتها متلبسة،وفضحتها ؟
قام من الرمل ليقف قبالتي.وهو يسأل باستغراب:
-وكيف افترضتَ أنها عائشة ؟!
-بالإستدلال المنطقي. هل تعرف الإستدلال المنطقي ؟
-لا أعرفه.
-ولن تعرفه ما دمت تجهل لغة البحر.ثم أضفت:
-عائشة تعرف أنك فضحتها،وتعرف أنك هنا،فماذا تريدها أن تفعل لتتقي شرّك؟
سأل بجد:
-وكيف لي أن أتأكد؟
أجبته حاسما:
-لا يمكن لك أن تتأكد،إلا في حالة واحدة : إذا أزلتَ لحافها.
قال يائسا:
-لا يمكن.
-طبعا لا يمكن.
-وماذا أصنع مع صداع الرأس؟
-عليك بهذه العُدّة التي يجب ألا تفارقك ،ما دمت تفارق كنه هذه الزرقة ،التي تغمر امتداد النظر .
ومن قفتي أخرجت له ليمونة وسكينا ومنديلا.
ثم انخرطت في الضحك كالأبله(...)

عن محرر المقال

Unknown

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية