يشهد شارع المتنبي خلال يوم الجمعة من كل أسبوع حراكاً واسعا وحضورا لافتا ً للنظر وقد لا أبالغ اذ أقول في سطوري يشهد اقبالا ُ من " كل حدب وصوب " و على أتساع رقعة وطننا الحبيب العراق ، ويعتبر محراباً لإداء طقوس الولاء للثقافة والأدب العراقي والإسهام في إدامة زخم الحراك في هذه الرقعة الجغرافية الصغيرة نسيبا ، الكبيرة بما يبذل فيها و بتضافر الجهود بما يبقي " بغداد " دار السلام بتلك الملامح الثقافية الناصعة، و كما هي، عصية على المتخلفين و الجهّال وعصف رياح الأشرار ومن يريد ان تحطيم تأريخها الثري بالمنجزات على مر العصور ولاسيما في تاريخنا المعاصر .
" مقهى الشابندر "
احدى مراكز الجذب الثقافي ، ومن معالم مدينة بغداد القديمة، وقد سَميت نسبة إلى أسرة) الشابندر( وهي إحدى العوائل البغدادية القديمة التي عُرفت بالغنى والجاه، وكانت تَعمل في مجال التجارة والسياسة ....ويقع " مقهى الشابندر " في نهاية شارع المتنبي قرب مبنى القشلة : (هي كلمة تركية الأصل تعني المكان الذي يمكث فيه الجنود أو الحصن أو القلعة أو السراي ومقر والي الحكومة العثماني، وهي لها عدة أماكن ومنها: قشلة بغداد: وهو مبنى القشلة قرب شارع الأكمكخانة والمسمى حاليا شارع المتنبي وهو موقع المدرسة الموفقية سابقا. ( ، و المبنى الذي تقوم عليه المقهى كان سابقا "مطبعة الشابندر" و التي أسست عام " 1907 " وكان يملكها موسى الشابندر، الذي أصبح وزيرا للخارجية في زمن الملكية عام " 1941 " في وزارة رشيد عالي الكيلاني . يعود تاريخ انشاء المقهى إلى عام " 1917 " إبان الاحتلال البريطاني للعاصمة العراقية بغداد، وترجح روايات قديمة ان إنشاء البناية يعود إلى نهاية القرن الــ " 19 " الميلادي .
" منتدى أدبي وثقافي "
منذ تاريخ تأسيس المقهى أصبح منتدى أدبيا بغض النظر عن تسميته ( مقهى ) وقد اخذ حيزاً كبيراً من الاهتمام بزيارته وأصبح فضاءاً ومتنفساً يحمل عبق الحضارة والثقافة ويشي بذكريات عدة مراحل زمنية لعقود مضت وشهدت العديد من التحولات ، أصبحت مقهى الشابندر ملتقى لمشاهير الأدباء والكتاب والمفكرين وكل عناوين الإبداع العراقي .ويتداول شؤون الثقافة والفن والشعر والسياسة وتجرى فيه المناظرات المتعددة .
" رؤية تاريخية "
قال صاحب المَقهى محمد الخشالي في تصريحات صحيفة سابقة : أن المَقهى تأسس عام " 1917 " لكن تاريخ بناؤه أقدم من ذلك فهذا المبنى كان في السابق مَطبعة لطبع الكتب، وأن المؤسس لهذا المَقهى هو محمد سعيد الجلبي الذي بناه على رُكام مَطبعة موسى الشابندر والتي بُنيت بين عام " 1907" وعام " 1914 " وقَد نُفي موسى الشابندر إلى خارج العراق بسبب بعض الوشايات غير الصحيحة من قبل بعض التجار، وبعد وفاة صاحب المَقهى إلتزم أبنه محمود الجلبي المطبعة والمقهى واعاد تفعيلها من جديد . واضاف الخشالي : أن المَقهى كان يرتاده كَبار الموظفين والمسؤولين في الدولة العراقية كمثل نوري سعيد وعبد الكريم قاسم والملك فيصل والنواب والوزراء وخصوصاً في زمن المملكة العراقية. وزاد الخشالي : أن المقهى كان مُنطلق للعديد من المُظاهرات والأحتجاجات التي مر بها البلد في القرن العشرين كمظاهرة التنديد بمعاهدة بورتسموث عام 1948. وختم الخشالي: إن مقهى الشابندر يختلف كثيرا عن المقاهي الأخرى، فهو بمثابة المنتدى الدائم للثقافة والفكر وفن والسياسة، وبعيدا عن ألعاب التسلية التي تنتشر في المقاهي الأخرى، فأبوابه مفتوحة للجميع من الذين يريدون الاستفادة من الأدب والثقافة والسياسة.
" مقهى الشهداء "
وكان لمقهى " الشابندر " دور وإساهم في معركة الحق والانسانية ضد الباطل ، المعركة التي بذلت فيها الأرواح والدماء لتسجل انتصارات العراقيين الابطال على أعداء الانسانية والثقافة والأدب . اذ تم تدمير أكثر من ( 70% ) من أجزاء المبنى في تفجير إرهابي جبان قام به تتر عصرنا الحالي خلال استهداف شارع المتنبي باعتداء بسيارة مفخخة في الخامس من آذار عام " 2007 " ما ادى الى استشهاد اكثر من " 100 " مواطن وتدمير اشهر المكتبات التي كانت لقمة سائغة لنيران اعداء الانسانية فلول البغي والظلام . وأسفر التفجير عن استشهاد خمسة من أبناء صاحب المقهى الخشالي وعثر عليهم بين الركام وتحت الانقاض، وادى هذا الحادث المروع الى فقدان والدتهم بصرها اثر الصدمة ثم فارقت الحياة بعد عدة اشهر. وتَم ترميمه واعيد افتتاحه من جديد، وسمي بـمقهى الشهداء ، الرحمة وجنات الخلد لشهداء العراق الابرار .