النعش .. بقلم / محمد جبر حسن
الصدفة وحدها جعلتني ارمق الفاجعة .. في تلك الأيام من سبعينيات القرن الماضي ، لم تكن جثامين الشهداء وهي محمولة على العربات العسكرية بالكثرة التي صارت لاحقاً ، المنظر هذا كان غير مألوف لكثير من الناس ومنهم من لم يعرف ان هناك قرابين تفدى للوطن .. الوطن الذي تنزف له دماء الشباب ويتمتع بخيراته الضباع والذئاب !
حينها رأيت السيارة العسكرية تحمل نعش شهيد وتمشي بهدوء قاتل والعَلَم ذا الألوان الثلاثة والنجمات الثلاثة يلتف عليه ويحتضنه بحنو مثل أم تحتضن طفلها ،
في تلك اللحظة بالذات كنت جالساً قرب شباك غرفتي المطل على الزقاق الخلفي ، ماسكاً بيدي كتاب الفيزياء متهيئاً لأمتحانات البكلوريا التي ستبدأ بعد اسابيع قليلة ، الوقت كان عصراً ورائحة القدّاح من حدائق البيوت تعبق بالجو وتنعشه مع نسمات ربيعية لطيفة ، إلّا ان هذا المنظر المحزن الذي رأيته اصابني بمقتل لينتابني فجأة حزن شديد ، احسست ساعتها كأن غمامة سوداء غطت السماء لتجعلها مكفهرة وقاتمة ..
يا الله كم هو الألم الذي سيصيب قلب أم هذا الشهيد ، وأي خنجر سيمزق قلب ابيه ؟ وما مقدار الحزن الذي سيخيّم على قلب اخوانه وأحبته ؟ ترى هل عنده زوجة او حبيبة تنتظر مجيئه ..كل هذه التساؤلات خطرت ببالي بسرعة وانا اقول مع نفسي .. الى ايُّ بيت تتوجه هذه السيارة المشؤومة وعند أي باب بيت ستقف لتفجع اهله وتحيل حياتهم الى شقاء ؟
السيارة تتهادى بمشيتها ،كأن روح الشهيد الذي تحمل جثمانه تدفعها ببطأ ليتسنى لها ان ترى الزقاق بأكمله ، او ربما تريد ان تودع الناس فيه قبل ان تغادر الى بارءها ، لا ادري ما الذي شدّني ان اراقب السيارة وهي تتوقف عند آخر بيت بالزقاق .. يبدو لي ان سائقها يسأل احد المارة الذي يتكلم معاه ويشير له بيده ان يستدير !
تستدير السيارة بهدوء لتعود ببطأ اكثر وتمشي رويداً رويدا ، عيناي لم تفارق هذا المشهد .. يا الهي
السيارة تتجاوز البيوت بيتاً بيتا لتنعطف قليلاً وتأخذ الجانب الأيسر من الزقاق ، كانت هناك جموع من الناس لا اعرف كيف تجمهروا بهذه الكثرة ، كانوا يمشون بمحاذاة السيارة ليحيطوها من كل جانب (انهم لا يدرون ماذا ينتظرهم بالسنوات القادمة حيث سيمرون بمثل هذا المواقف كثيراً ،او ربما هم من تكون جثامينهم محمولة فوق العربات العسكرية ) !
اخيراً توقفت السيارة ،
يا للهول انها تقف عند باب بيتنا !
والسائق يترجل منها وبيده اوراق ..
لحظتها لم اعرف كيف نزلت الى الطابق الأرضي لألتقي بأمي التي سقطت مغشيا عليها من صياح وصراخ الناس !
انتهت .
بغداد
