الخوف.. بقلم / هادي عباس حسين
نفس الطابق السادس تواجد فيه قبل أقل من نصف قرن عندما كان في ذروة شبابه لم يكن وقتها مريضا بل كان المرافق الوحيد لوالدي الذي جاء لهذا المكان الردهة الثالثة مشيا على الأقدام وخرج منها محمولا على الأكتاف مودعا حياته بسبب فشل عملية في معدته قبلها لما كان في بيتنا الذي استأجر ناه وبين ساعات ليلة شتوية باردة قضيناها ونحن يومها كنا صغارا سألت شقيقي مستغربا
_ لماذا يتقيأ أبي دما..؟
سكت لحظات وقال لي
،_ انت عشت ليال وأنت تراه يتقيأ دما لا تخف..
صرخات أبي من ألم يحس به ومن حالة سيئة يمر بها جعلتني اعتصر يده بكل ما أملكه من قوة والدموع تنهمر من عيني وددت ان يبقى والدي محتضناً اياي لمدة أطول إلا أنه غاب عن نظري لتجرى له عملية في أحد أعضاء جسمه الذي بات هزيلا ويجلب الانتباه. الخوف الذي تخللني كان كبيرا لأن نهايته أن رحل أبي بلا لحظات وداع مملوءة بحزن عميق بقيت آثاره خالدة في ذهني وأنها تشابهت مع هذه اللحظات المريرة التي اعيشها أنا أخلق معادلة بسيطة مفادها بالأمس كان مرافقا لأبيه واليوم يرافقه الكثير كنت أتمنى أن يتوقف الزمن الملعون عسى أن تتغير حالنه بعدما فقد وعيه بالكامل الأمس البعيد كان المسجى اباه الذي تذوق المرارةمن حياته التي قضى سنواتها بالالم والحرمان والمتاعب لعل خوفا بهذا التاريخ شباط ٢٠١٨ أقسى وأصعب من تاريخ مر بأقل من نصف قرن مضى بثلاث سنوات كل شيء مخيف اليوم فقد قرات في الوجوه التي تحيطني اليأس من أمل بيد الله وحده خطوت إليه أكثر وصار قبالتي فنطقت بلا شعور
،،،_ يارب الرحمة يا صاحب الرحمة..
عيني تغازلها دموعا احتبست إلا أنها خرجت بالقوة دون أن أدري فإحساسي قد تشابه مع مشاعر الآخرين إني أسمع صرخاته لعله يريد شيئا لكن السؤال تبادر لذهني
_ كيف يريد شيئا وهو فاقد لوعيه.
الاستغراب طوقني من كل اتجاه وعيني سافرت من هذا المكان لزمان مر وانتهى واصبح في خانة الذكريات حاولت أن أطرح عليه سؤالا عاد ميتا بلا جواب
_ الحالة سيئة وحرجة..
بالفعل حتى قطرات كيس المغذي أحسبها نقرات فوق طبل تمزق اذني فأريد الهروب من المواجهة التي لم تدع لي خيارا آخر إلا خيار واحد لا غيره
_ أن نتحلى بالصبر والايمان وأن يتردد الاسم على السنة الحاضرين رددته
_ يا الله..يا رب..
اني مكسور وخطاي مشلولة لا أقدر أن أتحمل مصيبة أخرى تمزق كبدي كما توقف كبد أخي وانتهى عمله كما سمعت من أخبار أتعبتني تشابهت صيحاته مع الصيحات التي حفرت في ذهني يوم كنت لا أعرف من الدنيا شيئا..لست مصدقا لهذه الصورة التي تتراقص أمام ناظري وقد اختبأت عيني تحت نظارتي الطيبة والتي خصصها طبيبي للنظر والاستعمال اليومي اثناء التنقل أما التي أقرا بها فقد خبأتها في جيب سترتي المائلة الى السواد كانت اللحظة أعتبرها بعشرات السنين وفي دواخلي وباعماقي صرخة استغاثة طلب النجدة ليصبرني ويهدئ من الروعة التي تملؤني وأنا أعود للزمن الذي مضى وأتوسل برب السماء قائلا
_ يا رب سلمه لنا..وليجتز مرحلته فانت الشافي والمعافي..
الكلمات يحاصرهن مئات الحروف ودموعي الصامته تحرك في مشاعر ورغبة بان أصرخ لوحدي مرددا
_ هذا طلبي بل طلب كل المتواجدين أن
يسهل أمره ويعد له وعيه...
لا أحبذ البقاء أمامه بل أريد أن أهرب منه أن أرحل بعيدا حاملا كل ما احمل من صور لأيام خلت كلما حسبتها بلا عودة أجد اصعبها تتوقف عند امتداد بصري الذي استسلم لحالة عدم وضوح الرؤية التي تولدت عندي كنت أبدو كمن ضيع سبيله وخسر دنياه وآخرته بوقت واحد.. لعنت الدنيا في لحظة غضب وعدت قائلا
_ أستغفر الله ربي من كل ذنب عظيم..
تعثرت خطاي والفرح شدني وأنا أدخل المكان الذي تواجدت به طيلة الأيام المنصرمة وبداخلي شيئا من الخوف فلم أجد شقيقي كعادته يوميا ممددا على سريره أصابني الذهول قبل أن أسأل
_ أين هو..
جاءني الجواب من وجه عرفني
_ لقد خرج قبل ساعة..
مات هذا الملعون نهائيا وخرج من جسدي إنه الخوف....
