زاوية "ذاكرة الحجر"
أ.د. سلطان عبدالله المعاني
فضاءات الدلالة في أسماء الأمكنة الكركية
اسم المكان يمثل مدلولاً غائياً مباشراً أو مؤولأ، ومعنى مباشراً أو رمزياً، وبواعث تتعلق بمناحي الحياة المرتبطة بالإنسان كافة، فاسم المكان مرآة الجغرافيا، والإنسان، والمجتمع، والثقافة وسلسلة متصلة من الطبقات اللغوية. وتعكس أسماء الأمكنة دلالات اشتقاقية ولغوية وارتباطاً بوقائع تاريخية وظواهر اجتماعية متعددة ترتبط بيئتيها البشرية والطبيعية، فجذور أسماء الأمكنة في دلالاتها واشتقاقاتها تعود إلى أولئك الذين خلفوا إرثاً حضارياً فاعلاً في المنطقة، فهي أسماء كنعانية وآرامية وعربية، أو يونانية ولاتينية، أو أسماء جاءت نتيجة الاختلافات في حركية المنطقة من القرن الثاني عشر الميلادي وما بعد. ويعد رصد هذه الأسماء وتحليلها واجباً تقتضيه الضرورة العلمية والحضارية وخصوصية الهوية الوطنية.
إنَّ التغير في الاسم أو صيغته يأتي استجابة للمنطوق الشعبي، واكتساب الرضى العام للسكان مع تسمية المكان. ولعله انعكاس لتعاقب الحضارات وتغير السكان، أو للتفريق المقصود بين المكان وغيره من أشباهه في الاسم.
تتضمن أسماء الأماكن معاني ومدلولات متعددة تعتبر ذات قيمة تاريخية هامة، فهي أقدم عهداً من أسماء الأشخاص، وتعد في مواضع معينة المصدر الوحيد الذي يؤرخ لفترة ما، فكثير من الأسماء يعود إلى فترات مبكرة كالكنعانية والآرامية وغيرها فتعكس النواحي الدينية والسياسية والثقافية والاقتصادية لها وللمكان وقت تسميته، فالأسماء ترتبط ارتباطاً وثيقاً بثقافة الناس، فهم يذهبون ويبقى الاسم رغم تعاقب الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإثنية وحتى اللغوية، فأدر المركز المؤابي المهم وصل إلينا من العصر البرونزي المبكر في حين غابت كل الظروف المتعلقة بساكني المنطقة آنذاك. أما اللجون التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد عادت واستوطنت من قبل الرومان حاملة نفس الاسم.
وتحمل أسماء المدن والقرى والمناطق الجغرافية دلالات مادية ومجردة، كالوصف الجغرافي والطبوغرافي، فيصف الاسم طبيعة المكان، وأهم العلامات المميزة له. وتحظى الممرات الضيقة باهتمام السكان لما تتركه فيهم من مشقة ووعورة، ولما تشكله من عائق طبيعي في تحركاتهم، لذلك نجدهم يُسمّونها بالثنية " الطريق الضيق" مثلاً. ويتفاعل السكان أيضاً مع الأمكنة في علوها وارتفاعها فتكون الأسماء مثل: سكا "المكان المشرف المطل"، وخربة الطور، والظاهرية، وعالية، والمشيرفة، والسماكية، والذراع، وذات رأس. ويسعدهم فيها الاتساع والانبساط فيسمونها: مومية "المغارة الواسعة من الأرض"، وفيفة، وسهل شرما، وفج العسيكر. وكان مقابل تفاعلهم مع علو المكان مَنْحَهُم بعض الأمكنة دلالة الغور والانخفاض مثل: عمقا "الوادي"، ومجرا "مسقط"، وفقوع "المنخفض، الوادي الفسيح"، وراكين "المنحدر"، والغوير، والعراق، وحجرا.
وتعكس الأسماء سيطرة نوع الاستيطان وهيئة المكان وظواهره التضاريسية على الوجدان الشعبي وتفاعله مع المحيط الجغرافي وفي إضفاء الدلالات والاشتقاقات الواشية بالرسائل المضمرة في الأمكنة مثل محنا "المخيم"، والربة "المدينة الرئيسة، العاصمة"، ومجدلين، "القلعة"، ومرود"المطاف، مكان التجوال"، ومؤتة "مكان الموت"، وعي"الخربة"، وعين دارا "مكان الحرب"، وكمنّا "مكائد، مخابئ" وكثربا "كفر ربا"، والكرك، والمعمورة، والمنشية، ومجيدل، ومُحي، والقصر، وخوخا "الشقوق الصخرية"، والبحر" الشق، الفجوة في الأرض". ومما تحمله أسماء المواقع أيضاً إشارات إلى نوع التربة أو إلى الخصب والجدب، مثل: إمرع "مكان الكلأ والعشب"، والزرّاعا، والروضة، والمزرعة، والمريغة "أرض صحراوية". وقد تشير إلى مصدر مائي أو ما له علاقة بذلك مثل: أم الينابيع، والبقيع، وإصراره "الأماكن المرتفعة لا يعلوها الماء" أو ما رُكِّب مع سيل ومنها: عين ارسيس، وعين البالوع، وعينون، والبالوع، والعينا.
وتنسب أسماء المدن والقرى إلى أشخاص وحوادث معينة، وكثيراً ما تنسب هذه الأسماء إلى عائلات وجماعات بعينها، في مثل: والخالدية، والعدنانية، والمأمونية، والهاشمية، والحسينية، والعمرية. أو أنها تحمل دلالات دينية، وخصوصاً تلك المركبة مع أسماء آلهة أو أية إشارات دينية أخرى، ومنها: أريحا، وخربة زبدا، والدير، والمزار الجنوبي، ومزار سيدنا سليمان، ومقام النبي يوشع. وقد تحمل أسماء المواقع دلالات مجردة غير تلك التي ذكرت سالفاً فتنطوي على فكرة دينية أو عاطفية أو ثقافية، فتكون التسمية بدافع الاستحسان أو التحقير من قبل أناس آخرين كالجيران مثلاً، ومما يرد من أسماء المواقع في محافظة الكرك حاملة هذه المضامين والدلالات: الربة "المدينة الرئيسة"، وعزرا "مكان المعونة، المساعدة"، ومدين "مكان أو مركز العدالة والقانون"، ومسعر "النار الملتهبة"، وياروت "مكان الرفقة أو الصداقة"، وخربة الحنو "خربة الرحمة والحظوة"، وأدر "المتألقة، الماجدة"، ومؤتة "مكان الموت"، ومؤاب (ربما من آب)، وخربة زبدا "هدية الرب"، وبردى "المكان البارد"، والطيبة، وغور الصافي.
ومن الدلالات المحتملة في أسماء المواقع الجغرافية اللون، مثل: بردا ربما تعني "أدكن"، والشهابية وقد يكون الاسم منسوباً إلى لون التربة، والزهراء "المنطقة ذات الحجارة البازلتية اللامعة"، وشقيرا الشرقية، وشقيرا الغربية، وسمرا، والأبيض، وجبل البيضاء، وجبل الحُمّر. وهنالك أسماء مواقع تنتسب إلى حيوان، منها: أم الغزلان، وأم الخنازير، أما تلك الأسماء التي تنتسب إلى نبات أو شجر منجد في الكرك: امرع وزيتا.
ولا يخفى ما لاسم المكان في مرماه الدلالي من دور في كشف المعطى الحضاري لأية أُمَّة، فدراسة اسمه تعكس الفعل الحضاري المعنوي، ناهيك عن الوصف الجغرافي والتضاريسي من علو وارتفاع وغور وإشراف وانبساط وغير ذلك. فالأمكنة ذاكرة الوعي، وحتمية الديمومة، ونصاعة مقدرات البقاء، وهي مسرح انسجام المشاهد الحياتية اليومية والمواقف التاريخية التي تُلْزِمُنا الانتساب لها اعتزازاً واستعداداً للتضحيةِ ولنرتقي بها لحظتها إلى درجة الهوية. إنَّ أسماء الأمكنة ذاكرة وطن، تضبط إيقاع التواصل معه، وهي توليفةٌ تُرْتَضَى بحسِ المعايشة وبَداهةِ الوجودٍ. وترتبط الأسماء بالذاكرة المكانية والزمانية والناس، وكأنما هي المبرر للاستمرار الإيجابي، أو المُقَوِّم الذي نَتكئ عليه لخطاب الآخر ومحاججته، ولستُ أحسبُ أنَ ذلك حالة ذهنية ووجدانية فحسب، بل أساس من أسس تكوين الذات والهوية.. فالأسماء تُحفِّزُ الذاكرة المكانية التي تغرينا بحب الأرض... كل الأرض ... فحيثما ارتحلنا ويَمّمنا شطر مكانٍ غير الذي يأوينا تركنا فيه فكراً ووجداناً فياضاً.. تركنا جزءاً عزيزاً من تكويننا الإنساني ..إنها ذاكرتنا وأسماؤنا.
أ.د. سلطان عبدالله المعاني
أكاديمي وكاتب عربي
المملكة الاردنية الهاشمية
