-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

سردية التحول الزمني في شعر محمود عواد .... بقلم - آلاء السعدي



سردية التحول الزمني في شعر محمود عواد 
 بقلم - آلاء السعدي



    في خضم سطوة السرد، وتسلط الرواية على الذائقة أو المتلقي،هُمِّشتْ نتاجات شعرية كُثر،حالت دون الحفر أو الاستمتاع بالنصوص الشعرية، ودراساتها،وبما أن الشعر هو زادي، فالبحث مستمر عن نصوص، وشعراء جدد، فالبحث أزاح الغشاء عن شاعر ما بعد حداثوي بامتياز، وطاقة شعرية شبابية تستحق الدراسة، متلمسين صدى ذلك من خلال نتاجه،صوره الشعرية غير المكرورة، لها طابع الفينومينولوجي الحقيقي للحياة اليومية السلبية، العنفية، الهامشية، العدوانية، قدمها عبر تقنية مدمجة (قصية السرد)، فسعى جاهدا في أغلب نصوصه، للتخلص والهروب من الماضي أو (الذاكرة)، كونها تعكس آثار الزمن الماضي على حركية الحاضر، وعبر حركات وردت في نصوصه (البتر، الركض، التحول)، ليكون دائما باتجاه الحاضر والمستقبل في كل لحظة، بيد أن الماضي يقف عائقا بوجه حاضره، وطموحاته، فزمن الماضي العنيف كأنه كائن حيواني يهاجمه،على مستوى واقعه بفعل التذكر، وعلى مستوى فعل الكتابة، أو اللحظة الكتابية، وشبه قفز الماضي  للحاضر بفعل سرعة لحظة الموت، فالمحاصرة التي تعيشها الأنا، يواجهها بحركية سريعة، للهروب منهما، وعبرها يثبت أن الحياة العراقية المعيشة حياة عنفية ((الموت العراقي، جثة العالم، هوليودية الحياة العراقية، زمن الموت المجاني يكون تبادل اللحم، منذ ولادتنا والشظايا بالهاية يمصمصها ذلك الفم، سنين العمر رحلة كرة ركلتها رعونة، أني كل هذه السنين تحت بساطيل الحرب....))، فالماضي لا يحاول أن يعطيه وقتا، فيداهمه مباغته في أي لحظة شاء.
     برزت ثيمتيان مهمتان،شكلتا لازمة في نصوص الشاعر(الماضي، العدوانية)، ليست فقط لبيان عداء الماضي له، بل متأتية لدلالات قصدية نستشفها عبر تفحص النصوص، فانطوت على تمدد العذاب إلى اللحظة المعيشة، كما تحيل إلى تحول العدائية من الكينونة البشرية إلى تقنية (الزمكان)، هما(الحاضر،والعراق)، حياة(النص، والواقع)، إذن إلحاح الشاعر لا يمكن عده اعتباطا أو هوسا أو قلقا ينتابه، أو يداهمه في أي لحظة، ولا يمكن عدها مجازا عبثيا، بقدر ما هي فعلا حياة هامشية مأساوية عنفية هجومية، فجاءت رغبة الشاعر برغبة المحو والإلغاء، بيد أن هذه المحاولة جاءت معكوسة، لتؤسس وتأصل لماضيه، وغيابه الحاضر.
   تعرّض الأنا للتيه، والعذاب، ورحلة الفقد المفجوعة بفقد الحاضر والمستقبل، والفقر، والهامشية ضمن هامشية جوهرية، تعاني نفسه منها، فظاهر الأمر يبدو قد اعتاد عليها، وتأقلم، وانسجم معها، إلا أن ذلك الإحساس يؤرقه ويألمه، وكصرعة تنتابه كل لحظة، وعنفية للغاية بفعل ذلك الشعور، وقفز ومداهمة الماضي المؤلم بسرعة هائلة، وسيطرته على تفكيره.
   نتوقف عند استدعائية الدوال الحيوانية (الكلب، الدود، الذئب)، والعدائية التي يحدثانها، والتركيز على عملية التحول، كلها محاولات لجعل الحياة اليومية مقاربة لحياة الحيوانات، أولـ(حيوانية الحياة)، فتحويل الشاعر نفسه وبأكثر من نص على أنه(الكلب)، وذيله مبتور، واللغة دجاج، فهذه دوال مفعلة لعكس فعل التحويل البشري لفعل الموت وسطوته على الإنسان، ولكشف استهداف الأنا للأنا فقط، فهو لا ينهش إلا لحم محمود عواد، والإرهاب والموت لا يستهدف إلا ذلك الجسد، فاشتغل الشاعر وانهمك بها، لأنها ذات حركية، فالزمن الحيواني إحالية لحركية الزمن المتسارع بالعنف نفسه، وغياب مداليل أخرى تحيل على إنسانية الإنسانية ومركزيته ، أو موجودات أخرى, كل ذلك تحت طائلة القصدية لعكس الواقع اليومي المعيش المفعم بالموت، ورائحته التي تملأ المكان، وفي نفس الوقت يحيل لقبحية ووحشية فعل الموت المنتظرة عند كل لحظة قادمة، فيعد حضوره حضورا لنقل سرعة ووحشية وعنفية الحيوان المهاجم للإنسان، وكلاهما يشكلان أثرا ملموسا على نفسية الكائن.
   إذن هي محاولة تغليب الحياة الحيوانية على الحياة اليومية المعيشة،فجاء صوره الشعرية، صور مرئية مبصورة لمتلقيها، كيف أن الموت أصبح مبصورا وقافزا كما الحيوان، وكيف أصبح متفشيا في كل مكان، ويترك خلفه آثار الخراب والدمار النفسي والمكاني، فصوره تعكس السلبية وواقع الشر، فهو أعاد إنتاجها شعريا، وقدمها بطريقة سردية يقص بها واقع معيش، وأدخل الموت والحيوان، وربطهما عبر حركية فائقة السرعة، والمداهمة، أو المباغتة ليفترسا الجسد الإنساني المهمش، ليخلق حركة سريعة بين (الماضي،الحاضر) غير المختلفين بشيء في ما يعيشه سوى التسمية.
   ولو أمعنا النظر في فعلية التحول والتصيير من كينونة إنسانية، إلى كينونة حيوانية عنفية، نلحظ إنها جاءت مغلولة بالقصدية، للتأكيد على أن هناك فعل قوي مسيطر على كل مفاصل حياته، ليتعدى إلى لغته، ونصوصه، فحدوث حركية التحول لتقويض فاعلية الماضي، والبحث عن أنا وزمن غير مفجوعين بحتمية تنتظرهما عند كل لحظة، بيد أن قوة الفعل التراكمي انهكت قواه، وشهوية العنف، والعدوانية المسلطة على حاضره أكثر فجيعة ووقعا على أنا الشاعر، ويلاقيه الحاضر بضيم وكدر، وتسارع متعجل بالموت وسطوته، وبهذا لم يفلح الشاعر في بحثه، وتحوله ، للامساك بواقع وجسد وكينونة غير كينونته، وبلغ الموت مبلغه من أناه، وكسر طموحاته في الخلاص منه، وبالإمكان الموت التهامه بأي لحظة، لذا وصل الشاعر مرحلة النهش لجسده وأكل لحمه، فذاته تعيش مجهولية المستقبل.
فالتسارع لعملية الموت والأكل والنهش والافتراس، كلها دلالات أحالية على روح الشر العميق المتأصل في روح الكائن الحيواني، فتحولت وانتقلت إلى روح وفعل الكائن الإنساني، ويدلل بهذا التسارع لممارسات العنف، وتأثيراتها البالغة على حياة وكينونة(الأنا،النص)، لتنتهي به إلى حيوان مبتور، ومنقطع عن كل شي، بفعل الحركة التسارعية الزمنية المعيشة، والتي لازالت مستمرة بعنفها ووحشيتها على واقعه.
يلاحق الشاعر وفي أكثر من نص شعري الموت والمقبرة، وما الذي يجعل الشاعر يلاحقهما؟، بحيث تلك الملاحقة فرضت سطوة الحزن والسوداوية والكآبة على نصوصه، وحولته إلى كلب ويتعقب الموتى في قبورهم، امتلاك فعل الملاحقة، وقدرة الشاعر في تحوله وتعقبه للموت، ليكشف النسق المضمر على أن فعل الملاحقة ما هو إلا إحالة للخوف والذعر، والقلق المسيطر عليه، والذعر من لحظة قفز الموت عليه، كما هي رحلة بحثية عن القوة التي افتقدتها روح الشاعر، والتي تحولت لحيونة الموت، ويقابلها ضعف، وخوف الكائن، وعدم مقدرته للنفاذ منه أو مسكه، فتغلب الموت على الحياة والكائن، وشوه الكثير من الذاكرة، والواقع، والكثير من الأشياء.
فالتشوه الذي ألحق بالأنا، ثم بالحيوان، لابد له من تفسير قصدي نستشفه من خلال نصوصه، هو التحول والتصيير بحد ذاته (للأنا والحيوان))، ليتحول إلى تشوه للموت، بيد أنه من غير الممكن وقوع التحول في لحظة زمنية واحدة، لتشوه الأشياء جميعا، وبسرعة فائقة وبحركة شعرية (إنسانية حيوانية مميتة)، فالبوح الشعري وحالة استصراخ الأنا التي تطلقها من فعل التشوه والتحول، يمكن أن نعدها إضاءة لما نبحث عنه، فالتحويلية الكينونية ممكن تفكيكها، بما أن الموت حتمية ومصير ينتظر كل بني البشر، وهناك ألم فعلي حقيقي منه، إذن نحن(( نقر في الحقيقة، بوجود ميل فينا لحيونة آلامنا، وحالات تعبنا، وكذلك إخفاقاتنا، إذا ما قبلنا بصورة فلسفية مبالغ فيها بكل حالات الموت الصغيرة الجزئية، التي تمس معا آمالنا وقوتنا))([1])، فهناك إقرار في نصوصه الشعرية بذلك، ونقلها عبر سوداوية، فهو لا يتألم ولا يمرض من شيء، وإنما لكونه إنسان، ويتحمل كل الهموم والآلام، وتحمله وانتظاره لحتمية مجهول وقوعها، ولعجزه عن إيقاف الموت عنه آخر ما تركه له الموت((أمه))، فالوقت ينفد من بيده، ولا يستطيع عمل أي شيء سوى إرادة الهجوم على ذلك الحيوان،ففعله يعد لحظة إرادة الهجوم عليه، تحقيقا منه لهيجان مُحَّول.
فعمدية الإتيان بلحظة الهجوم والإلحاح عليها، ليعكس اندهاش الشاعر من نفسه، لكونه كائن إنساني غير قابل لكل ما يواجهه من تعنيف، وتهميش، وظلم، فكيف بتلك الذات تجد رغبة ملحة في مواصلة العيش، وتواجه مصاعب الحياة بحياة أخرى((الموت))، فتأتي مقابلة الشاعر بين لحظتين هامشيتين، أو كينونتين
رغبةــــــــــــــــ> هروب
إنسان ـــــــــــــــــ> حيوان
إنسانية ـــــــــــــــــ> وحشية
الموت ـــــــــــــــــــ> الموت
فهذا الخلق العاجل الذي يلاحق الأنا أين ما حاولت الفرار منه، يمسه كائن في وجوده وحضوره، وإثبات كيانه، فبمباغتة الموت له تشكل إرادة لحظة الهجوم والتحول.
ولو توقفنا عند مشهد(البتر، والكنس) لكل شي يعود لعوالم الشاعر، فينقل لنا حالة الهلع والخوف من البتر، لأن فيه دلالة أحالية لعملية المحو والنفي ، ومن ثم الفقد للذات المنبئة بحركة الضياع عن طريق دال ((الكنس))، فالحركة والتحول التي أنهمك بها الشاعر، لينقل مستوى الواقع الحياتي، وللكشف عن البهيمية الحيوانية التي يتحرك وفقها ثلاثة عناصر:
(الإنسان/الحيوان/الموت)
(الفزع/الحركة/التحول)
(ماضي/حاضر/مستقبل)
    فهذه الديناميكية، والطبيعة العدوانية، والبهيمية للكائن الحيواني، تتحرك على وفق الرغبة الحيوانية الشهوية، فتحولت للشاعر، أو للكائن الإنساني بصورة عامة، فأصبح قاتل ووحشي يتفنن بطرق الموت المجاني، القتل، التعنيف، وحينما يتمتع الفرد بهذه الرغبة العنفية يحيل إلى استفحال وتعميم الشر بالواقع اليومي، ومحاولة لإبداع طرق الشر التي تتمكن من الكينونة الإنسانية، لذا تشكلت إرادة الرغبة الهجومية التطورية لدى محمود عواد في أن يكون كلبا، ولا يأكل وينهش إلا لحم وجسد محمود عواد نفسه.  
               
    .........

[1] المخيلة والانجاز،أرموند بيتجيان:80 . نقلا عن :لوتريامون، غاستون باشلار ، تر: حسين عجة ،الناشر دار الروسم،توزيع دار المؤلف،ط1، 2015 :25 .                                    

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية