رسائل تهدى بالبريد..للأديب الفلسطيني /مراد ساره
وجدتها في قمرة القطار
لا أعرف من منا وجد الآخر ولكن الغريب يستأنس بالغريب كما تستأنس العتمة بارتعاش نور شمعة وروعة ما باحت به كجمالها جلست امامي ولم ارَ منها الا اجفانها الجامدة كهيبة التمثال .وتنهدت بصمت عشية صيفيه غاب فيها القمر ومن دعتهم للعشاء . حاولت مراراً ان اكون امام جمالها وحدي . ان امسك خيوط أفكارها وأغزل معطفي الشتوي وان اقيم صلاة نسكي بمحرابها بعد ان وجدت الله فيها .
تحَدَثت ومضى القطار
داست نغمة حروفها عجلاته وهربت عيونها لعامل القطار
- التذكرة سيدتي (( قالها بوقار وهو يبتسم ))
- تفضل - سيدتي .. مقعدك ليس هنا . ولا يليق بالجميلات ان يجلسن في هذه القمرة اللعينة وان يتنفسن ما تبقى من هواء . أنظري الى هذه الوجوه القاتمة - وكان يرمقني -
- سيدي اعتذر منك ولتعلم تماماً ان قصدنا يكون حيث تشاء الاقدار وكلما أقتربنا أكثر كان الفرح أكبر . قد تقف أحياناً في محطات تسترعي انتباهك ... وتلفت نظرك ألوانها أعلاناتها معلقاتها .. سيدي الرحلة طويلة وانا لا ادري اين اذهب ولكن بعض المحطات قد تدلنا على الطريق... اذاً لماذا نعير اهتمامنا لقمرات العمر ولماذا لا نركب في كل القمرات وكل منا سوف يصل في النهاية وسيصعد غيرنا .. فأتركني مع رفقاء العمر ومن سيّرتهم الايام.... دعني مع الحبيب الذي وجدته متأخراً و كتب لي اول الرسائل وهو الآن يكتب بنظرات عيونه وفي كل نظرة هو لي . ((قالت الكلمات وفي مقطعها الاخير ابتسمت وهي تنظرني بجلال الصمود وكانها وجدت حياة بين قسمات وجهي وحرية)) حدثتها في نفسي وهي تعلم ما في نفسي حاولت أن امسك يدها ولا ادعها تترك القمرة ولكني عبثاً أحاول . حاولت أن ادفع القدر عنها ولكني خفت ان يسقط ركن من اركان الايمان . أجهشَت في البكاء غير قادرة على ايقاف هذا الحزن الدائم الذي أضحى جزاءاً من كيانها وراحت تصارع القدر وهو يجرها الى القمرة المعدة للكآبة الخرساء باجنحتها المتكسرة . انتهيت من كتابة رسالتي الحادية عشر بعد الالف وبحثت عن ساعي البريد وعندما علمت بنزوله بكيت اشتياقاً . حملت ما حُمّلت من قلبي وهربت الى النافذة . كنت ارنو للبعيد وادفع الهواء القادم من خريف العمر لعل رحله اسقطت ما تبقى منها وفيها أرث حياة لميت ولد بجسد بارد . دفعت راسي خارجاً كمن يحاول ان يقرأ اسماء المفقودين من لائحة الايام . وجدت يداها المغسولة بالعطر تلوح بمنديلها القديم وقد كتبت بدموعها (أحبك) كأشارة على ان قلبها لا زال على قيد النبض . أخرَجَت راسها من نافذة قمرتها ولوحت بمنديلها وظفائرها التي اخفت استدارة وجه القمر.... انحنت وهي تدفع الهواء كزهرة عباد الشمس وكادت ان تلامس الارض . اخرجتُ حروف رسالتي وحاولت ان ادفعها بعكس الهواء . هي من تجهزت بيدها كي تأخذها بقوة ولكن المسافة والرياح كانت بالمرصاد . انتزعت قلبي من بين قضبان صدري لأعطي وزن لحروفي وقوة . بدلت الهوا بالهوى وسحبتُ خصلة من المشيب لأذلل المسافة . بكل مااوتيت من حب دفعت قلبي مطوقاً بما كتبت. ورميته بقوة من احببت . فَتَحت كفوفها فطار المنديل واخذ معه كل ما دفعته لها وتراقص ثلاثتهم في الهوى . ومن ثم رمى بهم في البحيرة الساكنة. فرش المنديل اطرافه فوق الماء وسقط قلبي فوقه ليعكر صفو المياة الراكدة ويرسم دائرة في البقعة التي سقط فيها وسرعان ما توسعت المويجات واحتجت لآن البحيرة لن تعود ذاتها مرةً أخرى .. وقلبي قد أخذ معه المنديل للاعماق .. تهادت رسالتي متأخرة واستقرت فوق السطح وهي تدرك تماماً بأن اللذة في القاع .
