وإنكفأت من جديد
بقلم : علي عبد الحسن ناصر - العراق
بقلم : علي عبد الحسن ناصر - العراق
لم تستغرب عتمة الأشياء التي تحيط بها، فهي قد إعتادت ان تنظر من خلال عتمة الروح، عندما وجدت نفسها قابعة في دهاليز موغلة في ظلام دامس منذ دهور توالت عليها، وهي تقتات أيامها الرتيبة بلا غد، فهي لم تعرف سوى أشباح الأشياء بلا ملامح، فلم تعن لها زقزقة العصافير شيئا، ولم يستهوها قوس قزح بطيف ألوانه الساحرة، ولم تتعرف على كحل أجنحة الفراشات الهائمة فوق براعم الورود، أتغفو أم تصحو، لا فرق، فالأمر سيّان لديها!.
في آخر النفق المظلم، إنبلج نور لم تعهده من قبل، تسمّرتْ عيونها صوب ذلك النور الذي بدت تتراقص فيه أشياء لم تميزها، لكنها إرتعشت، وإهتز كيانها بتَوْق أخّاذ، تدفعه اللهفة المقيّدة بالرغبات الممنوعة ، والشوق العارم للإنشداد لهذا الداعي الخفي الذي يلوح في الأفق البعيد.
تسارعت دقات قلبها مع هذا الإرتباك اللذيذ، والوجل من المجهول الذي يدعوها للإنصهار فيه، تشربت وجنتاها بحمرة شفيفة،ٍ واسترخت أجفانها لتطبق على حلم لذيذ خشية أن يفلت منها في لحظة صحو.
وصارت لحظات إنشغالها بدقائقه وتفاصيله تعني لها العمر كله، وأصبح الغد له معنى، فقد تكتحل عيونها بنظرة، أو قد تحظى الروح بنشوة قرب هذا الإعصار الذي أخذها عنوة، ودفع بها الى مجاهيل الأحلام المتشظية كالصاعقة لتستقر في أعماقها.
يا لهذا المارد الذي قلب كيانها، فبعد أن تخلد للكرى، محتضنة أحلامها، وعسل الأمل من رضاب بلا قبل، تتقلب بلذة على وسادتها التي تحكي لها يوميا عن مهرجان الأمنيات التي ناغمت مشاعرها، لكنها كانت تفلت كالبرق في كل مرة.
الطيف القلق يزورها ليأخذها في سماءات لازوردية فاتنة، فتطير مع الفراشات، وتزقزق ، تغني لهذا الفرح الذي أشعل الغرام فيها، فترقص الروح بهيام وعشق وجنون، تتلوى كالأفعوان حول شرنقة الأماني التي إخضلت كمروج خضراء تغازلها قطرات الندى.
الطيف القلق يزورها ليأخذها في سماءات لازوردية فاتنة، فتطير مع الفراشات، وتزقزق ، تغني لهذا الفرح الذي أشعل الغرام فيها، فترقص الروح بهيام وعشق وجنون، تتلوى كالأفعوان حول شرنقة الأماني التي إخضلت كمروج خضراء تغازلها قطرات الندى.
وصارت الشمس، وهي ترسل جدائلها الذهبية، تتعلق بأهدابها بإرتخاء المتثائب، تتأوه بلذة، وغبطة، ورغبة للإرتماء في لجة هذا البحر الهائج الذي يستفز صبرها، وتمنعها، وخجلها؛ تأبى، تتلفت بخجل، تتراجع خطوة، ثم، بلا وعي ترى نفسها تنساق نحوه، لتغرق بهدوء في نعيمه المفترض، تجرجرها موجاته نحو الأعمق.
إستيقظت فجأة ، كان أخر النفق ما يزال مظلما، تفحصته بدقة، لم تر أثرا للنور، والأمنيات تبخرت من شرنقتها، فلم تجد سوى عتمة الروح، إنكفأت من جديد وهي تلعن كحل أجنحة الفراشات، وزقزقة العصافير.

