تلفني الحيرة من جهاتي الست. أحتار في الأسباب التي أوقعتني في هذا الظلام اللجي واجترتني اجترارا من حيث لا أدري إلى أزقة لم أعد أميز فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
أفهم أن الحياة طالت أو قصرت عشر خطوات، وأن بدايتي تبدأ مع الخطوة الأولى وأن نهايتي تنتهي مع نهاية الخطوة العاشرة ، وأن الفترة الزمنية بين الخطوة والخطوة تعتمد على المهمة التي ستنجز في كل منها وأن كل خطوة من هذه الخطوات تشكل مفصلا زمانيا ومكانيا من مفاصل الوجود .
أعرف كما هم وأنتم أنني أسير إلى الأمام ، وأندفع بقوة مجهولة تسيطر على تفكيري، فاستسلم وأبدأ خطوات متثاقلة وأحيانا متفائلة وأني مع كل خطوة من خطواتي العشر أتساءل :إلى أين ؟ هذا سؤال قبل كل خطوة أتوقف عنده، وأطيل التفكير .
لم تجبني زفراتي ولا آهاتي ولن تجبني عن هذا السؤال المعقد والمشروع . أشعر أن كل من حولي مثلي يدركون أنهم إلى الأمام يسيرون ، يعرفون أن خطوتهم الثالثة ستقودهم إلى هناك ، ولكل منهم هناكه الخاصة به ، لكن أين ستقودهم خطوتهم الرابعة مثلا ؟ لا أحد يجيب .المهم في الأمر أني ومن حولي نتحرك إلى الأمام ولكل منا أمام لا يدرك إذا كان سيبلغها أم ستتوقف نبضاته قبل البلوغ .
ولأني أدرك أني كما هم سنصل يوما إلى أمام لا أمام أمامه ،أضيف إلى سؤالي "إلى أين "سؤالا آخر :متى ؟ سؤال، لا أحد منا يحيط بإجابته .وأرفع قدمي لأباشر خطوتي التالية وكما هي الأولى والثانية والثالثة وكما هم كل من حولي أحركها بتثاقل ...وأبتسم ابتسامتي الملطخة ب"الكركم" وأهزأ مني بلا خجل، وأسر إلى نفسي بأن نفسي تخدع نفسي، وكلاهما يجانب الصواب، فلا نفسي أوضحت لنفسي إلى أين ومتى ولا نفسي اقتنعت بما أمرتها نفسي أن تسير إلى حيث تريد ؟
تدرك نفسي أنها في النهاية ستقودني إلى واد سحيق أو ستصعد بي إلى مرتفع شاهق. سأحاول الخلاص لكني سأرتطم مرة تلو أخرى بسقف خرساني لا أستطيع تجاوزه ، وأعود إلى حيث نهضت وفي النهاية سأقتنع أن هذه هي بداية النهايات .
إذن المسافة بين خطواتي الأولى وما تلاها من خطوات حتى التاسعة كانت تلفها سحب قاتمة أما خطوتي العاشرة فمعالمها واضحة ، ستقودتي حتما إلى أمامي الأخير وبعدها سيكون السقوط، سقوط من الوقوف أو من الجلوس أو من الأضجاع، سقوط للراس عن الكتفين أم سقوط لكل الجسد، لا أحد يعرف، وهذا الذي لا يمكن أن أعرفه يوما عني، لكني سأعرفه عن غيري ممن وصل محطته العاشرة قبلي.

