أنا الذي ... نص :: الأديب احمد أبو حليوة
مقطع قصير من سيرة طويلة ...
أنا الذي لا تعرف آلام عمره النسيان، أو حتى التناسي، أستعيدها على الدوام كأنّها الآن، وأمضي.. فيسكنني الحزن ما أقام في القلب نبض، وما رفرفت في قفص جسدي روح، لا بد يوماً أن تحلق عالياً وتمضي.. إلى سماء الله تاركاً لهذه الأرض كلماتي وسيرتي التي ستسردها ربما في البعيد -بعد عمر طويل- عجوز فاتنة الصبا على مسمع حفيدتها ذات ليلة طاعنة في البوح، ستقول لها: "كلّ هذا كان حبيبي.. كان حبيبي يا صغيرتي وكفى!!" ربما.. وربما تبتسم قليلاً بعد ذلك ثمّ تبدأ بالاحتضار، ستردد الشهادتين وبعدها تموت، مقتنصة كما الكثيرات فرصة آخر العمر للموت بهدوء وإيمان
عنه اتكلم ..
لا أبالغ عندما أقول: إنني عندما أقرأ أحمد أبو حليوة أكثر، أشعر أنّني لم أعرفه من قبل، فأتمنى أن أكونه بالفعل، وأضمّه إلى صدري بقوة، أحتضنه برأفة.. قائلاً له: هلمّ إليّ يا أحمد.. فأنا أبوك الذي لم تلتقيه إلا بعد خمسة عشر عاماً؛ لأنّك في الأردن وهو في سوريا، أنا أمّك المنجبة التي لم تلتقيها إلا بعد عشر سنوات؛ لأنّك في عمّان وهي في الزرقاء. أنا أختك التي لا تشاطرك الأب والأم، التي رأيتَها وقبّلتّها، وذهبتما إلى قبر أمك المربية (أم نوفان) قرب مخيم البقعة، عصر يوم جمعة.. أنا إخوتك الأربعة!!!! الذين أنجبهم القدر لك لحظة ضياع وفقْدٍ بحجم كون، قُبيل موت جدة كانت عائلتك وأهلك وعشيرتك بل كوكبك الدريّ المكنون!!! أنا حبيبتكَ التي أحبتَك عشرين عاماً وارتبطتْ بغيرك، أنا زوجتكَ الأولى التي ارتبطتْ بك خمساً من السنين، وتركتكَ غارقاً قبل أعوام في بحر السؤال، دون أن تعرف لها -بعد طول عشق- من بتّ تكون؟! أنا زوجتك الأخيرة التي ليس كمثلها في الحبّ والصبر أحد حتى الآن!! أنا طفلك.. طفلتك.. اللذان تنتظران، وأنا.. أنا أيضاً وجهكَ الذي كان!!!
