" مساحة حرة "
إنعام النور محمد صالح
عندما قررت الكتابة عن السفر والتنقل من مدينة الي اخري ، تنقل مثير مداده الفرح وزاده العشق ومتعته الدهشة ، لا شيء أكثر إثارة من سفر المحليات حينما تتنقل من محلية لأخري لتجذبك الثقافات ، والأفكار ، والعادات ، واللغات ، والفلكلورات ، والحضارات، فتلك "الأسفار العجيبة" التي لا يمكن قراءتها أو سماعها أو مشاهدتها إلا بقطع الفيافي والتحليق في عنان السماء واعتلاء مجن الريح.
عندما تحركت من حاضرة ولاية غرب دارفور الجنينة قاصدة ولاية وسط دارفور السفر حينها قال لي (العم سليمان ) وانا علي متن العربة : السفر عمومآ يا إبنتي يفتح آفاق الخيال ويشحذ همم الرجال ويُمهد دروب الجمال، وهو تطبيق عملي لكل تلك الحكايات والأحداث والبطولات التي سمعناها من خيالات الشفاه فكيف يمكن التعرف على طباع وصفات وعادات وتقاليد المجتمعات ، إلا بشد الرحال إليها والتّماس المباشر بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة .
السفر أشبه بكائن حي، يمر بمراحل تكوين ونمو وتطور ، فبعد أن كان مجرد ملاذ للوصول إلى الكهوف والمغارات والجبال، تطور ليصبح طريقاً لطلب العلم والمعرفة والتخصص، إلى أن تحول لظاهرة مستقلة بذاتها، أي السفر من أجل السفر فقط ،لقد أصبح السفر الآن، حاجة إنسانية ضرورية، بل ملحة، تماماً كالحاجات والرغبات والمتطلبات الاعتيادية كالأكل والشرب والتملك والتعلم وغيرها من الحاجات والطموحات البشرية ولم يعد السفر، ظاهرة أرستقراطية تُمارسها الطبقة المخملية من المجتمع، بل هو الآن ضرورة تُلامس عشق وتطلع ورغبة الطبقات المتوسطة، بل والفقيرة أيضاً.
ولعل من أعظم الفوائد والمنافع والإيجابيات التي يمنحها السفر ، هو اكتساب العديد من الثقافات والعادات والقدرات والطاقات، كالاعتماد على النفس وزيادة منسوب الفضول وتقدير الأمور والصبر والحكمة والاقتصاد والتنظيم وغيرها من المكتسبات الشخصية التي يحصل عليها المسافر، أما المكتسبات العامة التي تتوزع أرباحها عادة على الكثير من المجالات والقطاعات والمستفيدين، فهي المطاعم والأسواق ووسائل المواصلات ووسائط الإعلام وكل مكونات وتعبيرات المجتمع، أو ما يُعبر عنه بنمو ودوران حركة الاقتصاد المجتمعي .
الكتابة عن السفر والتنقل والترحال، قضية معقدة ولكنها في المقابل، ممتعة وثرية ومثيرة، خاصة حينما تُثبت البوصلة باتجاه التقاط المفارقات والمتناقضات والغرائبيات التي تحدث عادة بالسفر فهناك من يسافر لاكتشاف البلدان والتعرف على آثارها وتاريخها وحضارتها، وهناك من يبحث عن مظاهر السعادة والمتعة والبهجة والترفيه التي قد لا يجدها في بلده ، وهناك من يعتبر سفره محاولة للهرب من الضغوطات والملل والكبت والتشدد، وهناك من يظن بان السفر سيجلب له الوجاهة والسمعة والشهرة، وهناك من لا يعرف لماذا يريد أن يسافر؟
لا أعرف إذا كانت تجاربي مع السفر تستحق أن أختم بها هذا المقال، ولكنها محاولة صادقة لتكريس وتجذير ممارسة السفر كثقافة ومزاج ، سافرت لوحدي ثاني مرة بحياتي الي ولاية وسط دارفور لا يبعد كثيراً عن مدينة الجنينة ، حملتني عربة صغيرة معي شخصين ، كنت الوحيدة تقريباً الذي بلا رفيق يؤنسه في غربته التي دشنتها هذه العربث التي كانت تتمايل غاية في الرشاقة والخفة والمهارة، وصلت بعد ساعتين ، و لم أعد أذكر شي فقط أذكر جيدآ المدينة المستحيلة الجميلة هذه .
مدينة زالنجي رغم سعته الصغيرة الا ان هناك تطور ملحوظ في الطرقات ، والبنيات التحتية ، وما شدني أكثر للكتابة، دور الشباب ومجتمع المدينة في الحفاظ علي شكلية ومنظر المدينة وهنا لا أنسي التحية لقائد ركبها الشرتاي جعفر عبدالحكم إسحق والي الولاية ولأعضاء حكومته الموقرة ، رغم أنني قضيت وسأقضي فيها أيام فقط ، الا انني علي ثقة تامة بأن تلك الأيام القليلة في زالنجي ، صنعت وستصنع من هذه الشابة الكسولة أحيانآ والمهملة ، شابة تمتلك شخصية واثقة، وسفرتي هذه بداية حقيقية لأكتشف نفسي، قبل أن أكتشف البلد الذي أزوره والسفر، بوابة مشرعة تُعانق وجه الفرح والسحر والمتعة والدهشة، والسفر يُعيد اختراع النفس، بل ويحوّلها إلى طاقة متجددة أمل أن تبقي زالنجي إسم علي مسمي وسنزورها مرارآ وتكرارآ طالما نحن نتنفس.

