ناقةٌ وجمل يمنعان حداثتنا .. كتب :: مهند الساعدي
ما قطع طريق الحداثة على العرب ، غير هاتين الدابتين من الإبل : (ناقة البسوس ) و( جمل أم المؤمنين عائشة ) .
فالأولى كانت وظلت رمزاً للعصبية العشائرية ، والثانية تحولت الى رمزٍ ذي دلالة كبرى على القداسة المزعومة بأسم الدين .
قتلت ناقة البسوس عام ( ٤٩٦ م )كما يقدر المؤرخون ، فقتلت معها ، وبعدها بقرون ، فرص واحلام البيئة الاجتماعية القريبة ، في التمدن والحداثة ، ونبذ العصبية ، والنظام القبلي ، والعنف الطالع منهما .
وقتل جمل أم المؤمنين عائشة سنة ( ٣٦ هـ ) فقتل معه ، وبعده ، محاولات العرب والمسلمين للتخلص من القداسات المزعومة ، لشخصيات ، ونصوص ، وأصنام ، وحيوانات زائفة القدسية من ذات قماشة عجل السامري الشهير ، أو ناقة البسوس و جمل السيدة .
وتلك كانت القصة الكاملة ، للرموز التي تكلست بفعل التاريخ ، وسدت علينا منافذ التجديد ، والرقي ، والحداثة .
تفعل الرموز الاجتماعية المستمدة من الدين والتاريخ ، مالا يفعله اي فاعل اخر ، في تكثيف المعاني والأفكار ، والوحي للناس بهما ، وتحريك نظام العلاقات ، والتفاعل ، والإنتاج ، بما تختزنه هذه الرموز ، وما تدل عليه من معاني .
يقول عالم الاجتماع الكبير ( أميل دوركايم ) :
ان الرموز ظواهر جمعية . ووفق إيحاءات هذه الرموز يتشكل العقل الجمعي ، ومن محمولاتها الفكرية ، والثقافية ، تتحرك المجتمعات . ومع اننا لا نتفق على شمولية وتعميم فكر دوركايم ، بيد ان الناقد المتتبع يمكنه الوقوف بسهولة على سلامة اصل الفكرة .
يتشكل المخيال الرمزي للجماعة البشرية في الأصل ، من مجموعة من الافكار والتصورات ، التي قد تتمركز في حادثة تاريخية ، او ميثولوجيا ، او مواقف بطولية كبرى ، أو سردية اكتسبت القداسة . وكثيراً ما يكون هنالك رموزٌ مادية ، من اعلام ، ونصب ، وهياكل ، ومنحوتات ، وإبداعات فنيه تدل على هذه الرموز بكثافة مضاعفة . تتحلل هذه الرموز الى عناصر في التربية ، والتلقين . وتساهم عبر التاريخ في تشكيل أنماط الثقافة ، والحماسة ، والاتجاه العاطفي ، وتتحكم في العقل الجمعي عن طريق الإيحاء من طرف خفي . كما تقترب الأمثال الشعبية ، والقصص الشهيرة من عالم الرموز الإيحائية هذا ، مثلها مثل الوقائع والايام في تاريخ العرب .
تكمن اهمية الرمز في حمولته ، ومادته الحقيقية العميقة التي يرمز اليها . ليست كل الرموز الاجتماعية بالية ، وليست كل الرموز الاجتماعية صالحة .
الرمز دالة مكثفة جدا على المرموز أليه ، هو اقصر الطرق لتحصيل القناعات الجماعية حول افكار ، قد لا يتسنى لكل طبقات المجتمع ان تتعامل معها بدرجة واحدة .
الرمز يقدم إيحاءات ، ويؤسس من خلالها قناعات ، اكثر مما يقدم حقائق علمية ، او نتائج تاريخية حاسمة .
من يؤمن بالصليب مثلاً ، وفكرة التضحية بالنفس من اجل الاخرين ، لا يتوقف عند التفاصيل التاريخية والشروحات التي يقدمها اللاهوت المسيحي حول عقيدة التثليث . ومن يؤمن بفكرة عدالة وقدوة الصحابة المسلمين لم يتوقف على ما يرد عليها من نقوض تاريخية . ومن يعتقد ان قبر هذا الولي يشفي المرضى ، ويبارك الأحياء ، لا يذعن بسهولة لفكرة ان القبر غير صحيح النسبة لصاحبه ، وانه يعود الى انسان اخر .
تُغْني الكثير من الرموز الحياة الفردية والجماعية للانسان ، وتقدم له افكاراً عن الخير ، والعمل الصالح ، والمفاهيم الاخلاقية الكبرى ، ومحاسن التخلق بها . وترتقي الكثير منها بمخيلة الإنسانيه ، وتشدها الى عالم الجمال والجلال المطلق .
المجتمع الذي يمتلك لحظة الوعي الشديدة . يصحو من رموزه الوهمية . والمجتمع الذي يعيش لحظة السبات الحضاري والتخلف العلمي والثقافي ، ينام تحت وقع تخدير الرموز الوهمية الضارة التي تفسد حياته .
ناقة البسوس و جمل عائشة رمزان كبيران موحيان ، ومحركان ، لتاريخنا وحاضرنا .
يقول المؤرخون ان حرب البسوس استمرت أربعين عاماً ، وكانت فيها ايام ووقائع ، وقتل فيها خلق كثير ، بسبب العصبية القبلية ، ونظام الرعي ، والتحالفات العشائرية .
كانت ( البسوس )وهي سيدة عربية بدوية شديدة التعصب ، تزور إبن أختها (جساس ) و كانت معها ناقة ترعى ، فإنطلقت إلى بئر قبيلة ( تغلب ) لتشرب الماء ، فعلم ( كليب ) بأن ناقة من قبيلة ( بكر )ترعى و تشرب دون إذنه !قتلها .
غضبت البسوس خالة جساس لمقتل ناقتها ، و طلبت من جساس أن يثأر لمقتل الناقة ، لإرجاع هيبة ومكانة قبيلة بكر ، و إنهاء ظلم وتعسف الملك القبلي ( كليب ) .
تربص جساس بكليب فقتله ، فأشتعلت الحرب لمقتل كليب ، فقامت قبيلة تغلب بمقاتلة قبيلة بكر لتثأر لمقتل ملكها كليب بن ربيعة .
طحنت الحرب القبيلتين ، ولم تضع أوزارها إلا بعد أربعين سنة من الكراهية ، والعصبية ، وسفك الدماء .
حين اعتزل الحارث بن عبادة هذه الحرب قال :
(هذه حرب لا ناقة لي فيها ولاجمل )
أما ما نحن فيه ، في هذا المقال ، فالناقة ناقتنا ! والجمل لنا .
تضرب القبلية أطنابها في مجتمعنا ، وتتحدى الشرائع الدينية ، والقوانين الوضعية على حد سواء . لا زال النظام العشائري يحكم دولنا ، ويتخذ شرعيته من بعض مدلولات تلك الرموز القديمة . لقد لعب نظام القبيلة ، دوراً مركزياً في نظام الخلافة الاسلامية ، التي استسلمت له على مدار أكثر من ستة قرون . ومد يده على المنظومة الفكرية والعقائدية في الاسلام ليزرع فيها نصوصاً ، ويعزز بعض الاجتهادات التي تدعم سلاطين القبيلة بفقه ، واراء كلامية ، تسول لها مشروع السلطة .
لقد نزا نظام القبيلة على الدولة الحديثة ، واسس لعلاقة ملتبسة أقامت أنظمة ظاهرها الحداثة ، وباطنها القبلية ، والعصبية ، والعرقية التي اضاعت على مجتمعاتنا فرص الحداثة الحقيقية .
لقد عرقل النظام القبلي علينا ،الخروج المريح من المجتمع الزراعي ، الى المجتمع الصناعي ، الأقرب للمدنية ، والتعاون ، وروح المواطنة . والقى إفرازاته الثقيلة على حرية المرأة ، وحقوق الطفل ، والقانون .
لا تزال العشيرة مصدرا للعنف ، والحروب الغبية و غير النظامية . ولا زال "القضاء " القبلي ينفي القانون ، ويصنع لها إمارات مغلقة داخل الدولة الحديثة . وحتى الان يؤثر هذا النظام بقوة على ادارة الدولة ، ومهنية الجيوش ، ويربك الامن العام .
لا زالت ناقة البسوس تريق دمها الأحمر المنحوس تحت اقدام المجتمعات العربية ، وتعلي قيمة الثأر والحقد ، وتحط من قيمة التسامح والمحبة وحكم القانون .
ثمة دلالة اخرى قديمة وخطيرة ، لرمز اخر قديم وخطير يعمل على صيانة وتأبيد المقدس الزائف باسم الدين .
ينقل محمد بن جرير الطبري في تاريخ الامم والملوك عن أبي البختري الطائي قال :
أطافت ضبة ( قبيلة عربية ) والازد ( كذلك ) بعائشة يوم الجمل ، وإذا رجال من الأزد يأخذون بعر الجمل ! فيفتّونه ، ويشمونه ! ويقولون : بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك .
وكما في القران وكتاب العهدين ، حين احرق موسى عجل السامري ونسفه ليحطم الأسطورة الدينية المزيفة ، الموازية لقيم ومفاهيم الدين الحقيقية التي يحملها النبي . كذلك فعل الامام علي بن ابي طالب مع الجمل الرمز .
يقول المؤرخون :
كان جمل عائشة راية أهل البصرة ، يلوذون به كما يلوذ الجيش برايته الكبرى ، والناس تتهافت على خطام الجمل ، وكلما أمسكه أحد قتل ، حتى تغافى حوله مئات القواد ، والعسكر .
تنبه القائد والامام العالم الى هذا الرمز المزيف ، وتيقن الفتنة التي يرمز اليها فقال :
اعقروا الجمل فإنه شيطان .
فانتُدب لذلك (محمد ابن الحنفية ) نجل الإمام وحمل عليه في طائفة من المقاتلين الأشداء ، فعقروا الجمل بعد خطوب كثيرة ، فخر الجمل إلى جنبه ، وهوى إلى الأرض ، وله ضجيج وعجيج لم يسمع الناس بمثلهما .
وبعقر الجمل إنهزم جيش عائشة لا يلوي على شيء ، وفرّ بالصحراء فكان كالجراد المنتشر .
اربعة عشر قرناً مرت من تاريخ الاسلام ، والمسلمون بعدُ ، لم ينجحوا في عقر جمالهم كما فعل علي بن ابي طالب مع جمل السيدة هذا .
لا زلنا نقدس غير المقدس في تراثنا ، ونؤبد غير المؤبد ، ونجري الاحكام في الحاضر كما كانت تجري في الماضي ، دون مراعاة الزمان ، والمكان ، ومصلحة الانسان .
نئن اليوم تحت وطأة عقائد التكفير ، والتبديع ، والتفسيق ، وإخراج طوائف عريضة من الدين ، وتحولت ( آية السيف ) الى (منفستو) ثابت للفاشية الاسلامية التي تقودها التنظيمات الارهابية ، وتعتمد على الكثير من تلك الرموز البائسة ، والتاريخ المؤسطر .
ان طريقنا الى الدولة الحديثة ، والتطور الصناعي ، ودور الدين الاخلاقي والتشريعي الكبير في المجال العام ، والحريّة ، والديمقراطية ، ومضاعفة الانتاج ، وتحديث الادارة ، يمر على (ناقة البسوس )و(جمل السيدة ) .
لقد أُشربنا في قلوبنا الناقة والجمل ، كما اشرب بنو اسرائيل من قبلنا العجل ، عجل السامري في قلوبهم .
حين نعيد عقر الجمل ، ونتجاهل دم الناقة ، ونتسامح مع عاقرها ، سنجد ان مجتمعنا ينفذ بسهولة الى عوالم الذكاء الصناعي ، والنانو تكنولوجي ، وهندسة الجينات ، والثورات العلمية الكبرى .
حين نتجاوز الرموز السلبية في تاريخنا سوف ننعم فقط بالحياة الايجابية .
نحيا فقط حين لا نتعلق بخطام جمل ، او ثأر ناقة .
ونموت حضارياً ، وثقافياً ، واقتصادياً ، وعلمياً ، حين نتعلق بخطام الجمل ، وثأر الناقة .
سنموت بالملايين كما مات الألوف ، وعشرات الألوف في حرب البسوس وحرب الجمل ، وسائر الحروب المحزنة ، التي كانت تدور ، حول القبيلة ، والقداسة الزائفة .
