مَقتل ُ بَعوضَة ٍ ثَمِلَة .. نص :: سعد ابراهيم الجبوري
لا سلامٌ عليكم ، فأنا بعوضة ٌ ، والسلام ُ مُفردةٌ ليست في قاموسي ؛ لأنني أنثى ، وطالما ازدريت ُ ذكورَ البعوضِ ؛ لاكتفائهم بالإقتيات على عُصارات النباتات .. صحيحٌ إن حصولي على غذائي مِن الدّمِ تكتنِفُهُ المخاطِرَ ، إلا ّ أن الجائزةَ تَستحِقُّ المُغامرةَ ، خُصوصاً عند اشتدادِ جوعي ، إذ يكونُ التفكيرُ بِمَصدرٍ آخرَ ، غَيرُ مَنطقيٍّ ؛ بِسببِ تكويني البيولوجي ! .
أنا على يقينٍ أنَّ بعضَ القُراءِ سَيعذِرُني ؛ لِتَفهُّمِهِ وَضعي ، وإدراكِهِ حقيقةَ أنَّ الناسَ ليْسوا أفضلَ مِنّي ، لَوْ قُدِّر َ لَهُم أنْ يوضعوا في مِثلِ ظروفي ، فالسلوكُ المُهذّبُ ، وَدعواتُ السلامِ لَديهم ، ترتبطُ بِوفرةِ الغذاءِ ، الذي يُتيحُ لهم فُرَصَ التحضُّرِ والترَفِ الفِكري ، إلاّ أنّ ذلك لن يُلغي غرائِزَهم الحيوانيةَ القبيحة ، فَلَوْ قُدِّرَ حُدوثُ مَجاعةٍ عالميةٍ ، لَرأينا البَشَرَ أوَّلَ المُتَنصلينَ عَمّا يَدعونَ اليهِ مِن قِيمٍ انسانيةٍ وحضارية ، بَلْ سَيقتات ُ بعضُهم على بعضٍ ، ويتلذّذ ُ بِمَضغ ِ عُفونتهِ ! . ورُبما افترست الأم ُّ أبناءَها ، كما تفترس ُ الكلبةُ الجائعةُ جِراءَها الهَزيلة ! .
أُقسم ُ أنني لست ُ خبيثة ً أو قاسية ، كما قد يتوهم البعض ، وأنَّ ما أوصَم ُ به ِ مِن ذلك ، هو محض ُ افتراءٍ ، يُلفِّقُه ُ بعضُ الجَهَلةِ مِن البشر . إنهم يكرهونني ؛ لِحَقني السُم َّ في أجسادِهم ، خِلال امتصاصي دِماءَهم ، ، ما يُسبب ُ لهم بعض الألمِ أو الإزعاج ، وكان عليهم إدراك ُ أن الإيذاء َ لِذاتِه ِ ليس هَدَفي ، ولَوْ أتيحت لي فرصةَ الحصولِ على ما يكفيني مِن دِمائِهم ، بطريقة ٍ لا تُؤذيهم ، لما تأخرت ُ في استخدامها وتفضيلها ، أما لُعابي الذي يعدّونَه ُ سُمّا ً ، فليس َ سوى مادة ً اُفرزُها لتسهيل امتصاص دمائهم ، وأنا اُحمِّل ُ أجسادهم تَبِعة الشُّعورِ بالألمِ ؛ لِعَدم اكتسابِها المناعةَ ضِدّها ، فلا نِيّةَ لديَ في الإيذاء ِ إذن ، وطالما سمعتُهُم يرطِنونَ بِعبارةِ : ( إنما الأعمالُ بالنيّات ) ! . هذا بشأن اللّعابِ ، أما الطّنينُ الذي يُزعِجُهم ويؤرِّقُهُم ، فهو على كُلّ حالٍ ، أقلُ إزعاجا ً مِن صُراخ الزوجاتِ في وجوهِ أزواجِهِنَّ المغلوبين على أمورِهِم ، بَلْ هُوَ أرَقُّ مِن خَريرِ الماء ِ في ليلة ٍ هادِئة ٍ مُقمِرةٍ ؛ إذا ما قِيسَ بِأزيز ِ الرَّصاصِ ، وهَدير المدافع ِ ، ونِياح ِ الثّكالى ، وهدم البيوت ِ والحضارات ، تِلك َ التي تُقترفُ كُل َّ يومٍ ؛ لِتفتك َبالجنس البشري ، وبِلا شَكٍّ ، بأعداد ِ غفيرة ٍ مِن أرواح البعوض البريئة أيضا ! .
إنها فِرية ٌ كبيرة ٌ .. ومن أظلم ُ ممن افترى ؟! ...
كُنت ُ أرغب ُ بمزيد ٍ مِن المُصارحةِ مَعكُم ، والاسترسال في الحديث ؛ لكنني بدأت ُ أشعُر ُ بشيءٍ من الخَدَر ِ يتسربُ الى جسدي ، ويُثقل ُ لِساني ورأسي . إنها ليست المرة َ الأولى التي أشعرُ فيها بِمثلِ هذا الدُّوارِ ؛ فَهُو ينتابُني كُلما حَسَوْت ُ مِن دَم ٍ مُشبَّع ٍ بالكحول ِ ، ولقد وَضَعني قَدَري التعيس في الأيام الأخيرةِ ، داخلَ هذهِ الحُجرةِ الصغيرة ، التي تنعدِم ُ فيها خَيارات ُ الغذاء ِ ، فأمّا امتصاص ُ شِربة ٍ من دم ِ ساكنها الثَّمِل ِ كُل َّ ليلة ٍ ، أو الموت ُ جوعا ً ، ولا خَيار َ آخر َ ! ، وكان الأمر ُ سيكون ُ مُحتملا ً لَو اقتصَر َ على الرائحة ِ المُنَفِّرة ِ في دمِه ِ ، إلاّ أنه ُ بدأ مع الأيام يُصبِحَ أكثر خُطورة ٍ ، مع ظهور ِ بوادِر َ إدماني السلبي للخمر ، وأنا لا أرفِض ُ ذلك َ ، خِشية َ التسبُّب ِ بتساقُط ِ أسناني طبعا ً ، أو التحريمُ الديني له ؛ فلا أسنان لدي َّ ، ولن يقِف َ مدحورا ً مخذولا ً يوم القيامة ِ سوى الإنسان ، فالبعوضُ لن يُحاسَبَ ، وتلك مِن نِعَم ِ الله ِ علينا مَعشرَ البعوض ! ، ولكنني أخشى التكاسُل َ في الحفاظ ِ على حياتي ، ولا اُخفيكم ، أن شُعوري بِدبيب ِ الخَدَر ِ في جسدي ، يُوَفِّرُ لي مِن المُتعة ِ والإسترخاء ِ ، ما لا يُوفِّرُه ُ أي َّ شُعور ٍ آخر ! . ثُم إنني طالما أقنعت ُ نفسي ، بأن َّ الدماء َ المُشبَّعة َ بالكحول ِ ، رغم َ تأثيرِها على جهازي َ العصبي ، إلاّ أن آثارَها السلبيةَ ، لن تقودَني الى ارتكابِ الحماقاتِ ، كالتسبُّب ِ في نشوبِ النزاعات العائلية ، التي كثيراً ما أدَّت الى الطلاق ِ وتَفَكُّك ِ الأُسَر ِ لدى البَشَر ِ، ببساطة ٍ ؛ لِكونِنا ، مَعشر البعوض ِ ، غَير ُ معنيّين َ بما يُدعى رباط الزوجية المُقدَّس ؛ فالإباحِيّة ُ كَفَتنا تَبِعاتِها ، وجَعلتنا أكثر َ أريحيّة ً مِنهم ، إذ ْ كُلما اقتربنا مِن الفِطرَة ِ الصافية ِ ، تجنبنا حماقات البشر ، وفُزنا بِلذّة ِ الحياة .
وَحق ِّ رؤوسِكم ، ما وجدت ُ فَرْقا ً بين دِماء ِ السّوُقَة ِ وَعِلْية ِ القوم ، وطالما ذكرَتْ جَدّتي ، أن للعبيد ِ دماء ً ، هي خير ٌ مِن دماء الملوك ِ ؛ لكثرة ِ تناولهم الثوم َ والبَصل َ ؛ فتكون َ صِحيّة ً وأكثر َ فائدة لنا ؛ ما يوجِب ُ عَدَم َ التذمّر ِ مِن رائحتها ومذاقها غير المُستساغين .
أنا لا أحب ُّ التفلسُف َ ، كابن خالتي النحيف ؛ لإكتفائه في التغذية على العُصارات النباتية ، ولكني أتَّفِق ُ معه ُ بأن َّ عَدَم َ امتلاكِنا العقولَ ، هو مِنّة ٌ مِن الله ِ تعالى ، ولا حاجة َ الى الخوض ِ في التفاصيل ، فقد ثَقُل َ رأسي ، وأكاد ُ أدعو ابن خالتي لمساعدتي على حمله ِ ، كما أشعُر ُ بنشوَة ٍ وفرح ٍ غامرين ، وكأنني اُحلّق ُ في السماء ِ بلا أجنحة ، يا لِلدم الممزوج بالخمر ِ مِن فِعل ٍ ساحِر ٍ في الجسد ! .. هئنذا أشعُر ُباقترابي مِن غيمة ٍ كبيرة ٍ ، مليئة ٍ بالمطر ِ ، أو هي من تقترِب ، ولَم ْ أعُد ْ أقو َ على التمييز ِ ؛ لِفَرط ِ الثُمالة ِ ، والأمر ُ سيّان ِ ، إن وقعت ُ عليها أم وقعَت ْ هي علَي ْ ....
وهكذا انتهت القِصَّة ُ ، بِوقوع ِ الغيمة ِ على البعوضة ِ ، وَليس َ العَكس ِ ، وبَدَل َ انتثار حبّات المطر ِ منها ، انبثقت لطخة ُ دم ٍ قانيةٍ مِن جسد البعوضة ِ ، فيما يَغُط ُّ الرّجُلُ الثَّمِلُ بِنومِه ِ العميق ِ ، تارِكا ً كفّه ُ الثَّقيلة َ تَجثِم ُ فوق َ أشلائِها ! .
