طوق نجاة .... أ .فاضل العذاري/ العراق

اخر تحديث:
aarb313@gmail.com
كتب بواسطة:
مجلة دار الـعـرب الثقافية

محتويات المقال

 طوق نجاة

 أ .فاضل العذاري/ العراق 


 

 
يتداخل شقائي في مقتبل العمر مع مشهد واحد فقط من بداية قصة النبي يوسف عليه السلام حينما ألقته الأقدار في غيابة الجب، لكن حكايتي توقفت عند تلك الأعماق المظلمة التي لم يُكتب لي الخروج منها إلى النور.
في هذه اللحظة، يتسلل اليأس إلى نفسي، هامساً بأنني عالق في كابوس لا نهاية له. ومع ذلك، أتساءل بصمت: إن كانت هناك خاتمة مختلفة تنتظرني في آخر المطاف؟ ولكنْ تُرى من أين وكيف ومتى يأتي الفرج؟ فأنا لست من أولياء الله ولا أ حظى بصفات الصالحين. قد لا أكون مؤهلاً لوصول مبعوث من موكب عابر لإنقاذي مما أعانيه، ولا أملك جاذبية تأسر العقول و تستحوذ على القلوب وتلفت الأنظار إليّ، كما أنني لا أجد أي اهتمام خاص يخفف من وطأة وحدتي القاسية، بالإضافة إلى أنني ليس لدي أبٌ حيٌّ يذرفُ الدمعَ على فراقي حتى تبيضَّ عيناهُ من الأسى والانتظار، يترقبُ بلهفةٍ قدومَ البشيرِ ليُبلغهُ بنجاتي من مكرِ الأشقياء، ويتحسسُ ريحَ الخلاصِ من محنتي التي طوّقتني شِباكُها، ولا أم تصرخ باسمي بهتافات استغاثة وتضرعات حزينة، فقد فارقا هذه الدنيا تاركين روحي وحيدة في عالم قاسٍ وموحش ومؤلم، لتَبْتَدِئَ فصول حكايتي بندوب الرحيل الموجع التي أضفت على طفولتي مسحةً من الشجن، حيث تجرّعت لوعة الفقد ومرارة اليتم في مرحلة مبكرة من العمر. أما إخوتي، فكأن الرياح قد طوتهم في زوايا الجشع والطمع والاستغلال. لا أحد منهم يهتم لأمري، ولا تمتد يد منهم لتقديم العون أو الشفقة. أجد نفسي غارقاً، بلا أي بصيص أمل يعيد ترتيب فوضى حياتي وينقذني من هذا الضياع العميق.
لا أعلم لماذا كلما حاولت التقرب أو الانضمام إليهم في أي محفل من محافل أسرتنا الكبيرة : ينتابني شك مريب بأن حضوري قد يرهق كاهلهم و يكدر عليهم صفوهم و ربما يسبب لهم بعضاً من ردود الأفعال المعادية: كالضيق والتذمر والامتعاض التي تتجلى على ملامحهم بوضوح حالما أتوجه إليهم، حيث يُقابلني صمت مفاجئ و توقف لحديث كان على وشك الاستمرار لو لا دخولي عليهم بشكل غير متوقع. على الرغم من أنه شعور غريب طالما ينبذه ذهني ووجداني وتأباه وشائج الدم الواحدة والجينات الموروثة المتطابقة بيننا وترفضه مداركي الحسية بشكل قاطع يحول دون بث النبضات العصبية إلى خلايا دماغي، إلا أنني تيقنت من صحة هذا الانطباع عندما سمعتهم ذات يوم يتقاسمون الإرث فيما بينهم بسرية تامة دون إعلامي بحضور فرز الأنصبة للورثة المستحقين. ما كدت أطالبهم بحقي الشرعي من تركة والدي، حتى تبددت الآمال سريعاً تحت وطأة سخريتهم اللاذعة وغضبهم المشتعل، ولم تلبث أن انكشفت نواياهم الحقيقية عندما بذلوا كل جهدهم لحرماني من نصيبي المشروع. حينها خاطبني أخي الأكبر بكلمات قاسية، قائلاً:
- ليس لك حصة في الميراث معنا.
أصابتتي الدهشة والصدمة مما قاله؛ الأمر الذي جعلني أصرخ به مستغرباً:
- ألست أخاكم؟ لماذا تعاملونني وكأنني غريب عنكم أو دخيل بينكم؟
ثم أتساءل في قرارة نفسي: ماذا عساي أن أفعل وأنا مُلزمٌ بوصية أمي لي بصون الروابط الأخوية بيننا؟ وكيف يتمّ ذلك وأنا لا ألمس سوى التباعد والهجر والجفاء والحرمان من مستحقاتي والسخرية بي على الدوام؟ لكن هذا الأمر يثير في داخلي شعوراً بالخوف والحيرة: هل كان هذا التصرف يحمل إشارات مباشرة إلى إقصائي؟ هل هو تلميح بأنني لست جزءً حقيقياً من عالمهم؟ لماذا يرغبون في تغييب وجودي بالكامل، بل وفي اجتثاث حضوري من حياتهم وكأنه تذكير دائم بأنني مختلف، أو ربما غير مرئي بالنسبة لهم؟
كل تلك التساؤلات في كفة ولكن سؤالي الحقيقي عما ارتكبوه من جناية ضدي بعد أن نوهت لهم باللجوء إلى القانون في كفة أخرى: إذ كيف يمكن أن يبلغ بهم الحقد إلى حد تدبير المكائد ضدي للتخلص مني، بإلقائي في غياهب النهر المظلم الذي لا أعرف كيف أقاوم تياراته العنيفة، محاولين إخفاء فعلتهم الشنيعة بحجج ملفقة تتوارى خلف غطاء القضاء والقدر؟
ناديت عليهم جميعاً بأسمائهم واحداً تلو الآخر في محاولة لإنقاذ نفسي، ولكن لم يرد أي منهم على ندائي، في حين كانت الأمواج المتلاطمة تدفعني نحو القاع الرهيب والمنحدرات الغائرة. في تلك اللحظة، استنجدتُ بروح والدي طلباً للعون، ثم توجهتُ بعد ذلك إلى روح والدتي في مناشدة عاجلة للخلاص من هذه الشدة.
بينما كنت غارقاً في أعماق ذلك النهر الجارف، شعرت بأن الموت أصبح قريباً مني أكثر من أي وقت مضى، و لجأت إلى الله، مسلماً له أمري، واستمددت منه القوة لمواجهة ثقل معاناتي، متشبثاً بحلم بسيط يمنحني طوق نجاة وسط عاصفة من أمواج لا تهدأ ولا تستكين. فجأة، غمرني نور مباغت: كأنني لمحت فيه يداً مجهولة تمتد نحوي، و سمعت همساً يحمل الطمأنينة:
- لا تخف، سأساعدك.
كان الصوت يحمل شيئًا من السلام العميق الذي بدا وكأنه ينتشلني تدريجياً من بين أنياب اليأس. ساعدني ذلك الكيان على الوصول إلى الضفة المأمولة، وهناك شعرت براحة غريبة كأنها تطهرني من كل الإرهاق والحزن المتراكم بداخلي.
عندما استعادت روحي وعيها و أزلت الماء الذي أثقل جسدي، نظرت إلى ذلك النور الذي غمر جميع حواسي وسألته:
- من أنت؟
أجابني بصوت يحمل دفءً غامضاً:
- أنا النور المنبعث من دعوات أمك.
قلت له بعد أن خنقتني العبرة:
- لكنني الآن واعٍ، ولا أراك أمامي؛ فأنت مجرد إحساس بلا صوتٍ يخاطب أعماقي!
فرد علي بابتسامة شعرت بها في داخلي:
- لا تقلق، وثق بما تشعر به؛ فإذا أردت أن تدرك الحقيقة... ما عليك إلا أن تنظر.
في تلك اللحظة المهيبة التي سلط عليها الضوء، تراءت لي أمي وهي تحكي لي عن قصة ارتباطها بأبي منذ اللحظة التي تقدم فيها لخطبتها من عائلتها، وحينما أدركت منذ البداية أنها على وشك الزواج برجل يكبرها بثلاثة أمثال عمرها البالغ أربعة عشر عاماً. كانت دمعتها التي ظهرت على وجهها في ذلك اليوم تنبئ بما ستشهده لاحقاً من شقاء ومعاناة، وكأنها كانت تستشرف المستقبل بكل تفاصيله المعقدة.
وفي ليلة انتقالها إلى منزل الزوجية الجديد، كانت تناجي القمر وتتساءل بحزن وعتاب عن مدى وجود العدل والإنصاف في اتخاذ قرار مصيري يتعلق بها دون أن يتعارض ذلك مع حيائها: هل من الممكن أن يحدث هذا تحت نوره؟ وكيف يمكنها الارتباط برجل أكبر منها سناً دون أن تُمنح حرية التعبير عن رأيها، سواء بالرفض أو القبول؟ لكن عائلتها كانت ترى أن من تقدم لها هو رجل ذو مكانة رفيعة بين وجهاء المنطقة، مما جعلها في موقف لا تملك فيه سوى القبول، لتعيش تحت ظله الواسع. ومع مرور الأيام، أدركت مدى صدق مخاوفها وهي تعيش حياةً مشتركة مع زوجها ونساءه الثلاث اللواتي منذ الوهلة الأولى لدخولها المنزل عزمْن بدافع الغيرة والضغينة، على تحويل حياتها إلى جحيم لا يطاق.
ثم تحدثت عن يوم ولادتي، و كيف أصبحت ذلك الطفل الذي غمر قلوب محبيه بالفرح وأثار حفيظة الحساد و المغرضين.
و قد نشأت في أحضان الريف على مقربة من النهر ببضعة أمتار، في بيت يعمه حب الأرض وعشق الطبيعة، حيث انغرست الأزهار والشمس والأشجار عميقاً في وجداني لتصبح جزءً لا يتجزأ من كياني.
تجلت في مشاهد أخرى صور من سيرتي الذاتية كما لو كانت لقطات من فيلم وثائقي يعرض تفاصيل نابضة بالخير والمحبة والوفاء توثق بصدق و أمانة ما قدمته من أعمال صالحة و إنجازات مؤثرة. وجوه مألوفة بدأت ترتسم في خيالي لأشخاص تركوا بصمات خالدة في ذاكرتي وفي مسار حياتي. كان هناك من لا يزال حياً يشاركني جزئيات الحياة اليومية، ومنهم من غادر هذا العالم تاركاً أثراً عميقاً في قلبي ووجداني. كانوا يظهرون واحداً تلو الآخر، ينطقون بكلمات قليلة تحمل معانٍ عميقة، ثم يتوارون عن المشهد وكأنهم نور يضيء لحظتي. أصواتهم اتحدت في تناغم عذب يشبه سيمفونية مفعمة بالدعم والقوة، تردد كلمات مطمئنة:
- نحن هنا، بجانبك دائماً.
شعرت بطاقة غير مألوفة تجتاح وجودي، كأنها نهر من الحياة يتدفق في داخلي، يعيد لي ما أخذه الزمن و يملأني بالقوة والعزم لمواجهة ما ينتظرني من تحديات.
ثم جاء الصوت الحكيم العميق ليسألني:
- هل تؤمن الآن؟
بحسم ويقين، أجبته:
- نعم، أؤمن.
بيد أن فضولي تغلّب عليّ فسألته:
- ولكن، من تكون أنت حقاً؟
أجاب بنبرة هادئة:
- أنا رفيقك في هذه الرحلة، وُجدت لأكون إلى جانبك حتى تتجاوز محنتك وتصل إلى بر الأمان.
رغم إجابته التي حملت الراحة والإيمان، لم أستطع مقاومة رغبتي في معرفة المزيد، فاستفسرت مرة أخرى للتأكد:
- ومن أرسلك إلي؟
رد قائلاً بحكمة تفيض على القلب طمأنينة:
- لا تدع اليأس يحتل قلبك أو يهز ثبات إيمانك؛ فدعوات أمك النقية وأعمالك الصالحة تحيط بك كدرعٍ يصونك من الألم، ويحميك من أمواج الحياة العاتية.
فجأة، رفعتُ بصري نحو الأعلى، فانساب صوته في أعماقي كالنهر:
- ماذا ترى؟
في تلك اللحظة، لم تعد عيناي هما ما يبصر، بل اهتزت جوارحي لإدراكٍ غامض يفوق حدود الرؤية؛ حضورٌ قدسيّ مبهر، لا تراه الأبصار ولكن حواسي تتحسسه بمهابة وخشوع. بدّدت عتمة الكون هالةٌ طاهرة، وأضاءت زرقة السماء بلوحة نُقشت في وسطها آيات كريمة بمدادٍ مغزول من سحاب ناصع البياض. كان سلاماً خفياً يفيض بالطمأنينة ويغمر كياني بالسكينة والرضا. وكلما حاولتُ الضغط على ذاكرتي لأستعيد تلك الحروف، تلاشى جهدي أمام نداءٍ علويّ يتردد في أعماقي:
- انهض.. فقد زالت الشدة وأشرقت البشرى.
حين أسدلتْ حجب الغيب أستارها على ذلك المشهدِ الخارقِ للطبيعةِ، وعدتُ إلى واقعي المألوفِ، التفتُّ حولي فلم أجد أحداً بجانبي، كما اختفى ذلك الصوت تماماً من الوجود. غيرَ أنَّ ذلك النور الملكوتيّ ظلّ نابضاً في صدري، يطرد وساوس الظنون؛ فاليأس الذي حسبته كابوساً أبدياً، ذاب وتلاشى أمام هذا الضياء الساكن الذي استوطن أعماقي إلى الأبد.

شارك المقال:
aarb313@gmail.com
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات

التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال!

أضف تعليقاً: