دعوة عامة
أ . فاضل العذاري/ العراق
دَخَلَتْ المكتب كعادتها، بخطوات واثقة وابتسامة جميلة تعبر عن الأمل والتفاؤل. تلك الموظفة الجديدة التي انضمت مؤخراً إلى القسم الذي أعمل فيه كمدير أثارت انتباهي منذ اللحظة الأولى، ليس فقط بسبب أسلوبها أو حديثها، وإنما بتلك النظرة العميقة التي تحمل في طياتها غموضاً لا يمكن تفسيره بسهولة. منذ اللقاء الأول بيننا، شعرت بشيء مميز، وكأنها كانت تلقي محاضرة فريدة عن التنمية الأسرية، تدعو من خلالها للتفكير في كيفية إنشاء مستقبل قائم على الحب والتفاهم المتبادل بين الزوجين، بعيداً عن أجواء العمل الرسمية، رغم عدم ارتباطها بالزواج.
في إحدى اللحظات، اقتربت مني بابتسامة رقيقة وقالت:
- أحب فيك هذا الهدوء الذي يبدو مختلفاً، كأنه يحمل شيئاً مميزاً يفيض بالهيبة والرزانة والوقار.
تأملت في كلماتها للحظة، متسائلاً عن مصدر تلك الجرأة، وكيف يمكنها التحدث بهذه الطريقة دون أي خوف أو تردد أو مقدمات؟
حاولت الرد بحذر قائلاً:
- لكن لدي انطباع قد لا يروقك إذا كنت صريحاً.
لم أتوقع ردها السريع والواثق وهي تقول:
- بل على العكس! أحب الصراحة، ربما تساعدني على فهم نفسي أكثر.
قلت لها:
- كنت أشعر بالقلق من أن يُساء فهمك بسبب خفة ظلك، وكأنك سهلة المنال.
فردت عليّ بنبرة ثابتة:
- هل هذا رأيك الشخصي أم هو رأي الآخرين؟ ومن تكون لتخشى عليّ بهذه الصراحة؟
فأجبتها:
- اعتبريني أخاً أو قريباً، يهتم لأمرك ويتمنى لك الأفضل.
نظرت إليّ بتمعن، وكأنها تحاول قراءة ما لم أستطع الإفصاح عنه. ثم قالت بكلمات رقيقة:
- لكنني أرى في عينيك سمة أخرى، ونظرة تشبه نداءً خفياً ينبع من أعماقك، يخبرني بما يجول في ذهنك حقاً.
وقفت مدهوشاً أمام شخصيتها العفوية والقوية، التي تصادمت مع طبيعتي الأكثر تحفظاً وتردداً. كانت ثقتها المفرطة وشجاعتها الغريبة تثير إعجابي، حيث كانت تسعى لاستكشاف أعماق نفسي وكشف ما أحتفظ به من مشاعر وأفكار. تحدثت بكلمات تعكس وضوحاً وسلاسة خالية من التصنع، وكأنها قررت تحطيم جميع الحواجز دفعة واحدة. فاجأتني بمصارحة جريئة عندما قالت:
- سأخالف التقاليد المتبعة وأعبر عن رغبتي في أن تكون شريكاً في حياتي.
لطالما اعتقدت أن علاقتي معها يجب أن تبدأ بطريقتي الخاصة وبمبادرتي، وليس أن تُفرض عليّ بهذا الشكل المباشر. بدأت أتأمل شخصيتها بعناية أكبر. وجدتها حرة ومثقفة، واثقة ومستقلة، لكنها في الوقت ذاته متمردة على التقاليد التي أؤمن بها. تساءلت في نفسي: هل يمكن لعالمين مختلفين تماماً أن يلتقيا بصدق؟ هل يستطيع الحب أن يتجاوز الفجوات بين التحرر الجديد الذي يتماشى مع التطور، وقيود العزلة التي تفرضها صفاتي القديمة؟ أم أن الأمر مجرد وهم عابر ومشاعر مؤقتة تستهلكني؟
تردد بداخلي صراع قوي: كنت أخشى أن يدفعني انجذابي لها إلى التنازل عن مبادئي وقناعاتي الثابتة. فأنا بطبيعتي أسعى لقدسية الارتباط الجاد، وليس لمجرد خوض تجربة عابرة ومغامرة مؤقتة.
حتى لو كنت قد اتخذت قرار الارتباط بها، كيف يمكنني إقناع عائلتي التي تتبنى عادات وتقاليد ومبادئ تختلف تمامًا عن مفهوم الحرية والانفتاح الذي تتبعه بشكل مختلف؟
على الرغم من تلك الأفكار المتناقضة، بدأت أشعر تدريجياً بجاذبية متزايدة تجاهها. كان حديثها الواثق وأسئلتها العميقة يفرضان وجوداً لا يمكن تجاهله. ومع ذلك، كان هناك شيء ما يبعدني عنها ويمنعني من الاستجابة لطلبها، لكنني لم أستطع تحديد طبيعته. مع مرور الوقت، بدأت ألاحظ مؤشرات خفية تدفعني لإعادة تقييم مشاعري. كنت أسعى سراً للعثور على عيب واضح أو مبرر يقنعني بالابتعاد عنها، لكن كل محاولة كانت تعيدني بخيوط مشدودة نحوها.
لم يكن من المناسب أن أسألها عن سبب رغبتها في أخذ إجازة من الدوام هذا اليوم والأيام القادمة. في أثناء غيابها أقبل علي أحد الزملاء من قسم آخر، وجلس على الكرسي القريب. ثم حاول الاقتراب أكثر وطلب مني الإجابة على سؤال شخصي، قائلاً دون مقدمات:
- ما رأيك في الموظفة الجديدة التي تم نقلها إلى قسمكم؟
أجبته: من أي جانب تقصد؟
قال بتردد:
- أرجو ألا تسخر مني، لكن الحقيقة هي أنها تعبر عن رغبتها في الارتباط بي من خلال بعض التلميحات.
بينما كان يتحدث، شعرت وكأن البعد بيني وبينها يتسع أكثر، وكأن هناك فجوة تتشكل فجأة بين تفكيري ومشاعري تجاهها. فضّلت الاحتفاظ بردودي لنفسي لكثير من الأسباب التي لم أكن مستعداً لتوضيحها.
انضم إلينا زميل آخر من قسم مختلف، ثم توافد قدوم الثالث والرابع حتى بلغ عددهم خمسة أو أكثر هذا ما ظهر في العلن و ربما ما خفي كان أعظم، وكأنهم اتفقوا مسبقًا على الاجتماع في تلك اللحظة. جميعهم يحملون دعوات مشابهة لحضور العرض المجاني، على أمل أن يستجيب أحدهم لتلبية طلبها المبتذل. من بينهم كان هناك شخص متزوج من ثلاث نساء. استمررنا في تبادل الحديث بنفس السياق. نظرت إليّ إحدى الموظفات وضحكت، قائلة بنبرة ساخرة:
- هل حان دورك أيضاً لتلقي عرض الزواج؟
عندها أدركت السبب وراء تجنبي لهذا الموضوع، الذي بدأ يثير في نفسي مشاعر مختلطة من الخجل والقلق والإحراج، مما دفعني للابتعاد عنه قدر الإمكان. على الرغم من أنني لم أشارك أحداً تفاصيل عرضها لي أو تأثيره على مشاعري كما فعل الآخرون، إلا أنني شعرت وكأنني محاط بعاصفة من الاستغراب والشكوك والتساؤلات حول سبب تأخرها في تقديم هذه الدعوة. لم يكن أحد يعلم أنها قد نصبت شباكها في أعماق قلبي لصيد اللآلئ الثمينة المدفونة في كنوز مشاعري النقية، لكن محاولتها باءت بالفشل في الوقت المناسب.
انفتح الباب فجأة. أقبل ساعي البريد بخطواته الرتيبة المعهودة، حاملاً بين يديه طرداً بريدياً ومجموعة من المستندات. تقدم نحوي باسطاً الأوراق الرسمية من داخل المغلف، وهو يقول بصوت خفيض:
- أطلب توقيعك نيابة عن المدير. هذه أوراق رسمية عاجلة، فالمدير مسافر منذ الصباح.
ثم صمت قليلاً، وأطلق سهام كلماته بنبرة قوية:
- سمعتُ أنه سيتزوج هذه الأيام من الموظفة الجديدة التي في قسمكم!
تجمدت أصابعي فوق القلم، وفغر الجميع أفواههم بصدمة مباغتة. تناثرت التساؤلات وعلامات الاستفهام في الفضاء: كيف استطاعت تلك الفتاة، في أيام معدودة، أن تغزل شبكتها العنكبوتية التي التفت بسرعة على الموظفين، لترتقي فجأة إلى رأس الهرم دفعة واحدة؟
وبينما ساد الصمت الثقيل أرجاء المكتب، شق المكان صوت غير معتاد. التفتنا جميعاً لنجد الساعي الواقف أمامنا يضحك على نفسه على غير عادته الوقورة. نظرتُ إليه من مقعدي مستغرباً، وسألته بفضول مستنكر وهو شاخص فوق رأسي:
- ما الذي يضحكك في الأمر؟
هنا، تلاشت ضحكته فجأة، وتحولت إلى ابتسامة مريرة ألقاها في وجوهنا:
- أضحك على نفسي، حسناً فعلتْ هذه الموظفة لارتباطها بالمدير صاحب الشركات والأموال والعقارات، وإلا فماذا كانت ستنال مني أنا البائس الفقير، حين عرضت عليّ الزواج الأسبوع الماضي؟
ثم لمَّ أوراقه وحمل طرده البريدي متهيأً للمغادرة، تاركاً الصدمة تخيم فوق رؤوسنا، قبل أن ننفجر بنوبة ضحك هستيري تفضح كل مشاعرنا المكبوتة.

التعليقات
التعليقات (0)
أضف تعليقاً: